'لن اندم.. لن أساوم.. وسأبقى أقاوم'


د. أنيس مصطفى القاسم

2013-01-27

 

Description: http://alquds.co.uk/today/27qpt480.jpg

 

في هذه الايام عادت قضية الإفراج عن المناضل العربي الكبير جورج ابراهيم عبدالله الى صدارة الاهتمام في الشارع العربي والاجنبي، ولبنان وفرنسا بشكل خاص. وقد فضلنا في هذه المناسبة وصْفَهُ بالمناضل 'العربي'، بدلا من 'اللبناني'، لأن هذا كان اختيارََه الذي تمسك به وأراد التأكيدَ عليه وتثبيتَه وهو يقاد أمام القضاء الفرنسي المرة تلو المرة متهما بجرائم لم يرتكبها يلصقونها به ويفتعلون أدلتها ويُحكم عليه فيها بالسجن، وهو بريء منها، كان آخرُها اتهامَه بالاشتراك في قتل دبلوماسي اسرائيلي وآخر امريكي، حُكِمَ عليه فيها بالسجن المؤبد. المشكلة أنه كان مناضلا عربيا يناضل من أجل فلسطين ومن أجل لبنان ومن أجل الجزائر، وكان مناضلا أمميا يناضل ضد الصهيونية والامبريالية، ولذا لا يجوز في نظرهم أن يبقى حرا، ويجب معاقبته بافتعال جريمة يعاقب عليها القانون الفرنســـي، ما دام أنه قد تواجد في فرنسا.


وقد اعترف الذي كان مسؤولا في المخابرات الفرنسية عن 'التحقيقات' في تلك 'الجرائم'، بأنها كانت مفبركة، وذكر المناضل أنيس النقاش في مقابلة مع فضائية الميادين أن هذا الرجل، بعد تقاعده ونَشْرِ اعترافاته، كان يزور المناضل جورج في سجنه تكفيرا عن خطاياه.


القضية الآن أن مدة سجنه قد انتهت من الناحية القانونية عام 1999 ومع ذلك لم يفرج عنه، ولجأ للقضاء الفرنسي عدة مرات، وفي كل مرة كان القضاء يخذله بحجة أنه خطر على الأمن العام الفرنسي، في حين ان الحقيقة هي الضغوط الامريكية والاسرائيلية التي حالت في كل مرة دون الافراج عنه، حتى بعد افتضاح الظلم الذي كان جورج ضحيته كإنسان، وكان استقلالُ القضاء الفرنسي ومكانتُه، كنظام، ضحيةً ستلازمه أمدا طويلا.


ساوموه على الاعتذار أو إعلان الندم ولكنه كان أقوى صلابة والتزاما بمبادئه من النظام الفرنسي القضائي والسياسي كليهما حين قال قولته المشهورة 'لن أندم، لن أساوم وسأبقى أقاوم'. كان موقفه، كمناضل عربي واممي ضد الصهيونية والامبريالية الامريكية في قضية كهذه، الا يدافع عن نفسه بأنه لم يرتكب الجريمة التي سجن من أجلها، وقد أكد على فضائية الميادين المناضل أنيس النقاش، رفيقه في السجن بحكم مؤبد هو الآخر، أنه لم يرتكبها وأنه حكم عليه في قضية مفبركة كلها. ودفع ثمن ذلك 13 سنة اضافية في السجون الفرنسية.


قبل أيام يبدو أن القضاء الفرنسي قد أفاق من نكسته، ونرجو أن لا تكون هذه يقظةًً عابرة، واستجاب هذه المرة لطلب الافراج عن المناضل جورج عبد الله. في هذه المرة كان محاميه رجلا يحترم أصول المهنة وشرفها وأخلاقياتها في حين ان محاميه السابق كان عميلا للمخابرات الفرنسية وبالتالي عميلا للمخابرات الامريكية والاسرائيلية أو متعاونا معها، وشطبت نقابة المحامين الفرنسية اسمه من جدول المحامين عندما انفضح أمره. الى هذه الدرجة كانت المؤامرة.


صدر القرار القضائي الفرنسي الجديد هذه المرة بالافراج عن المناضل جورج عبد الله، غير أن تنفيذه اقتضى صدور قرار من وزير الداخلية بصفته المسؤول التنفيذي عن السجون، ويكون دوره فقط اصدار التعليمات لمدير السجن بالافراج عن السجين، ما لم يكن مسجونا لأسباب قانونية أخرى، حيث أن سيادة القانون تعني فيما تعني التنفيذ المباشر لاحكام القضاء مهما كان رأي السلطة التنفيذية فيها.


وكانت المفاجأة حين قرر الوزير ارجاء اصدار قراره التنفيذي. هذا التصرف من جانب وزير الداخلية أعاد الى الاذهان المواقف الفرنسية السابقة الرافضة للافراج عن المناضل جورج عبد الله بالرغم من انتهاء مدة سجنه، وأعاد الى الاذهان كذلك الضغوط الامريكية والاسرائيلية المطالبة بعدم الافراج.
وتأكد هذا بتصريح للناطق باسم الخارجية الامريكية حين أعلن اعتراضَ أمريكا على الافراج. ومن المؤكد في حالة كهذه أن تكون اسرائيل قد اعترضت وطلبت من الولايات المتحدة أن تعترض. وهي من المتوقع على أي حال أن تعترض لأن المناضل جورج عبد الله قد أدين بقتل دبلوماسي أمريكي، وليس من المتوقع منها أن تعترف بأن القضية ضده كانت مفبركة . وقد اعتاد الغرب على الاستجابة للطلبات الاسرائيلية ولو كانت تعتدي على سيادة القانون واستقلال القضاء، كما حصل في تعديل الاختصاص العام لقضاء دول غربية في محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية بغض النظر عن جنسياتهم وجنسيات الضحايا ومكان ارتكاب الجريمة، وذلك بأن يكون للسلطة التنفيذية رأي في الموضوعومن المؤسف أن دولة كبريطانيا، التي اشتهرت عالميا باستقلال قضائها، قد انصاعت لطلب اسرائيلي من هذا القبيل وعدلت قوانين الاختصاص القضائي استجابة له.


إن المناضل جورج عبدالله، وهو في سجنه، منارة يُهتدَى بها في الصمود والتحدي والثبات على القيم والمبادئ والالتزام القومي، وهكذا يكون المثل الذي يشيده المناضلون الشرفاء للأجيال. ولعلم من لا يريد أن يعلم فإن المناضل جورج عبد الله ولد لبنانيا مارونيا وكان شيوعيا.

ولكن ذلك لم يكن عائقا له من أن بكون قوميا عربيا عالميا في نضاله، ولذا انضم للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على يد المناضل الفلسطيني القومي العربي المسيحي المرحوم الدكتور وديع حداد، وعندما اعتقل في باريس كان في مهمة كلفته بها الجزائر ولا علاقة لها غلى الاطلاق بالتهم التي وجهت اليه في فرنسا وسجن بسببها، كما ذكر المناضل أنيس النقاش في مقابلته التي سبقت الاشارة اليها. وذلك فضلا عن نضاله قي قطره العربي لبنان. وبهذا الانتماء القومي الأممي في نضاله فإنه ينضم الى نظرائه الذين عايشوا، أو يعايشون، أَصَالَةَ النضالِ العربي ضد الامبريالية والصهيونية. وتَوَحُّدَ ذلك النضال، انطلاقا من وحدة الانتماء لوطن واحد يجمع الاجيال كلها ويوحد مصيرها ومصير كل قطر في هذا الوطن الكبير.


إزاء الرسالة التي يجسدها جورج ابراهيم عبدالله فإننا لا نستبعد أن يكون ارجاء تنفيذ القرار القضائي مقدمةً لخطوات أخرى تعرقل الافراج. وهذا يستدعي من المعتصمين في لبنان وغيرها من الاقطار العربية والأجنبية ومن الحملة الدولية أن يواصلوا الاعتصام وان يطوروا أنواع ضغوطهم ويوسعوا دائرة الانصار ويجندوا الإعلام في الوطن العربي وخارجه وينقلوا القضية الى المستوى الدولي بإثارتها في مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة في جنيف من جانب الدول الاعضاء في المجلس أو المنظمات غير الحكومية التي لها حق الكلام في المجلس، ولمعظمها مقار في جنيف وتتعاون معها المنظمات غير الحكومية العربية مثل اتحاد المحامين العرب، يحيث تُحاصَرُ فرنسا وتتأكد بأن مصالحها وسمعتها ستبقى مهددة ما دام المناضل جورج عبد الله في السجون الفرنسية.

ويجب أن يعلموا أنه مهما طال اعتقاله فإنهم هم الذين سيظلون معتقلين وسيظلون عاجزين عن اعتقال ارادته واعتقال المِثالِ الذي يعطيه، وأنه ليس مُهِمَّاً لرسالته أين يكون، فهاهي قد وصلت، وهاهم أنصاره ومريدوه بالمئات في ميادين بيروت وغير بيروت. بهذا المثال، وكلما تعكرت أجواء الوطن العربي بالطائفية والمذهبية والقبلية والعنصربة وحاولوا طي راية النضال والمقاومة، تستيقظ الروح ويعود شعبنا بمثال جورج عبد الله ووديع حداد وجورج حبش الى تلك الايام التي تعلمنا فيها، ونحن صغار، أن الوطن العربي يقع واجبُ تحريره والدفاع عنه على كل عربي، كائنا ما كان انتماؤه القطري أو الطائفي أو المذهبي. لقد تعلمنا بالمثال الواقع أنه يُرَحَّبُ به وتُسّلَّمُ له القيادة اذا كان مؤهلا لها دون نظر للقطر أو الطائفة أو المذهب الذي ينتمي اليه. تعلمنا ذلك بالمثال الذي عايشناه في مجتمعنا الذي رحب بمناضلين عربٍ كبارٍ سَلَّمَ لهم القيادة من أمثال القادة الشهداء الشيخ عزالدين القسام السوري، رائد الكفاح المسلح في شمال فلسطين، وسعيد العاص السوري، الذي كان قائد جبهة الخليل قي فلسطين، وفيها استشهد. وكان القائدُ الفلسطيني عبدُ القادر الحسيني، قائدُ جيش الجهاد المقدس الفلسطيني فيما بعد وشهيدُ معركة القسطل، نائبَهُ في تلك الجبهة، ومن أمثال المرحوم فوزي القاوقجي الذي تولى قيادة الثورة الفلسطينية كلها عام 1936 وكنا نعلق صوره في بيوتنا والبلاغات العسكرية الموقعة باسمه على جدران المسجد الاقصى. هذا هو تراثنا النضالي. لم يكن أحد يسأل المناضل العربي ما دينك او مذهبك أو طائفتك، أو يعامله معاملة الغرباء الأجانب، وكان استشهاد المناضل أو اعتقاله أو إبعاده عن أرض الوطن حدثا يحتفي به الشعب كله، مسلموه ومسيحيوه، وصار هذا تقليدا وطنيا منذ أن وقفت فلسطين كلها صامتة واصوات المؤذنين ترتفع على المآذن مع دقات أجراس الكنائس في جميع ارجاء فلسطين صباح يوم الثلاثاء السابع عشر من حزيران/يونيو عام 1930 الساعة الثامنة ثم التاسعة ثم العاشرة عندما كان يصعد على منصة الاعدام في سجن عكا أول شهداء النضال في فلسطين فؤاد حجازي ثم عطا الزير ثم محمد جمجوم وهم ينشدون نشيدا كان على لسان ذلك الجيل وفي ضميره وتعلمناه ونحن صغار وهو: 'يا ظلامُ السجنِ خَيِّمْْ * إننا نََهْوَى الظلاما * ليسَ بَعْدَ السجنِ إلا * فَجْرُ مَجْدٍ يَتَسَامَى'. من ذلك الجيل أيضا حفظنا في فلسطين نشيدا وضعه شاعر سوري يقول فيه: 'بلادُ العُرْبِ أوطاني * من الشامِ لبغدانِ* ومن نجدٍ الى يمنٍ * الى مصرَ فتطوانِِ * فلا حَدٌّ يُباعِدُنا * ولا دينٌ يُفَرِّقُنا * لسانُ العُرْبِ يجمعنا * بغسانٍ وعدنانِ' ' وتعلمنا من مجتمعنا أن نرفع شعار 'الدين لله والوطن للجميع' وأن نعيش ذلك الشعارأباؤنا.


ايها المناضل الأبي إنك في حياتك ونضالك وسجنك حر حتى وهم ينوهمون أنهم قد قيدوك، إنك حر تتحداهم بأصالتك وتمسكك بانتمائك القومي وبمبادئك النضالية. فتحية لك واعتزازا بك حيث أنت، ولا يعلم الاعداء أنهم بفعلهم هذا قد اختاروا دون أن يدروا لحظة يتعطش فيها الوطن لأمثالك وقد بدأ يسترد مسيرته وعافيته، وهاهم جيل لا يعرفك الا مثالا يهتف باسمك ويناضل من أجل حريتك ولن يتوقف حتى يرحب بك حرا في وطنك، وطنك، من المحيط الى الخليج، أو ما يفضل أبناء جيلي أن يقولوا 'بلاد العرب أوطاني، فلا حَدٌّ يُبَاعِدُنا، ولا دِينٌ يُفَرِّقُنا، لسانُ العُرْبِ يَجْمَعُنا، بِغَسَّانٍ وعدنانِ'.

'
من مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية