بسم الله الرحمن الرحيم

 

الطريق إلى وحدة البشرية وسلامها وتحقيق الغاية من وجودها

 

الإهداء

 

النجاة في الصدق

 

أهدي هذه المحاولة وما فيها من أهداف نبيلة إلى الذين يؤمنون بهذا الشعار ( النجاة في الصدق ) ويحاولون تطبيقه في حياتهم مهما كانت الصعاب والإغراءات , فهو في الحقيقة النور الذي يهدي البشرية إلى السلام والخير والعدل , إذا ما آمنت به وعلمته لأجيالها.

 

مقدّمة

 

عندما فكرت في كتابة هذه المحاولة نازعتني عوامل كثيرة , منها المشجع الذي يدفعك إلى ما أنت مقدم عليه باعتباره في صالح البشرية وهدايتها إلى الخير والصلاح, ومنها المثبّط الذي ينذرك بأسوأ العواقب, ذلك أنك بالرغم من حسن نواياك وما تريده من خير لبني جنسك , فإنك تدخل في مجال متعلق بالأديان والعقائد , وهذه الساحة , من غير شك, تزخر بأنماط متعددة من البشر , فمنهم من يلتزم بالقاعدة القرآنية ,( لكم دينكم وليي ديني ), والأقوال المأثورة, من اجتهد فأصاب فله أجران , ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد , وقول الآخر , رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب , ولكن هناك أيضا من يدفعه تعصّبه لمعتقداته إلى العنف والإجرام ضدّ من يخيّل إليه أنه قام بالمساس بتلك المعتقدات والعقائد .

هذا وبالرغم أن صاحب هذه المحاولة إنما يهدف في جوهر محاولته هذه إلى أيجاد نوع من التناغم والتفاهم بين هذه العقائد المختلفة بالوصول إلى أعماق هذه العقائد والهدف الأساسي من وصولها إلى البشر في أنحاء الأرض , وذلك لهدف سامي نبيل هو وحدة البشرية وسلامها وخلق التعاون فيما بينها , للوصول إلى إدراك سرّ عظمة هذا الكون وما أوجد الخالق فيه من أسرار , أقول بالرغم من ذلك , فإن الغالب والسائد بين الناس هو تمسكهم الأعمى بما عاشوا وشابوا عليه, ولا يحاول أغلبهم أو ربما جميعهم التعمق في العقيدة التي ينتسبون إليها , فترى اليهودي أنه يهودي لأنه ولد في أسرة يهودية , والمسيحي هو مسيحي لكونه ولد في أسرة مسيحية , وكذلك المسلم هو مسلم لكونه جاء من أبوين مسلمين , وهكذا البوذي والهندوس والزردشتي . الكل يتمسك بما ورثه عن آبائه وأجداده بطريقة عنجهية غائمة عمياء , كانت باستمرار الوسيلة والأداة إلى الكراهية والعنف والدماء التي تجري هنا وهناك بطريقة جاهلية جهولة , المفروض على عقلاء الأرض أن ينتبهوا إلى أخطارها , خصوصا أننا بلغنا القرن الحادي والعشرين مزوّدين بالقنابل الذرية التي لو انطلقت لكان ذلك فناء هذا العالم حتما .

ولعل أيضا أن أحد الدوافع الذي دفعني إلى هذه المحاولة هو ما يجري منذ أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن في المنطقة العربية التي يسمونها الشرق الأوسط , من اعتداءات وغزوات غربيّة , ذات الطابع الصليبي الصهيوني- المخالف لشرائع موسى وعيسى عليهما سلام الله هذا الطابع الخبيث الذي عشّش في أمريكا وبعض أرجاء أوروبا مستهدفا هذه المنطقة التي هي مهد الحضارات والرسالات السماوية . وقد يكون الهدف الأساسي من هذه الهجمة الوحشية الظالمة هو الهيمنة على الطاقة البترولية السائدة بها , والحيلولة بينها وبين شعوب الشرق من تطويرها واتخاذ الأبعاد المختلفة للاستفادة منها , وقد يكون الهدف أيضا هو إغلاق منافذ رسالة الإسلام التي بدأت في الانتشار بطريقة ملحوظة في العالم الغربي . وأغلب الظن أن هذه الأهداف الشريرة يلازم بعضها بعضا وتجري في جحيم شيطاني يلتهب حقدا وكراهية ضد هده المنطقة المقدسة , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

على أي حال إن هذه المحاولة ليست موجهة لأصحاب الأديان والعقائد فقط , بل هي موجهة بوجه خاص أيضا إلى أولئك الناس الذين انفلتوا من كل دين أو عقيدة , ذلك أن هذه الجماعات التي تدعي الذكاء وتدمغ غيرها بالسذاجة هي في الواقع قد غرقت في ماديتها, ربما لدوافع مشبوهة قد تكون الغريزة الجامحة إحدى جذورها ودوافعها , ولا شك أن هذه المادية العمياء هي إحدى الكوارث التي تواجه المجتمع البشري في جميع أنحاء الأرض , ففي هذه الأجواء المادية المريضة أنتشر الانفلات الجنسي الذي لا تحده الأصول والقواعد المحافظة على الخليّة الأولى في المجتمع , التي هي الأسرة والكيان الأسري, ممّا أدّى إلى انهيار القيم والمبادئ وانطلقت الأهواء والنوازع الحيوانية تمرح كما تشاء , فساد الزواج المثلي وعبادة الشيطان , إلى غير ذلك من التشوهات المرعبة , وفي ذلك ما فيه من أخطار وشرور تصيب البشريّة أجمعها . إن هؤلاء الناس عليهم أن يدركوا أن العقل البشري مهما حام هنا وهناك وخاض بحر الريّب والشكوك في كل العقائد والأديان فلا بدّ له في آخر الأمر أن يقف أمام ذلك السؤال المعجز الضخم وهو , هل هذا الكون بكل اتساعه وضخامته وأسراره قد جاء اعتباطا من لا شيء ؟؟!! ألا ينظر هؤلاء الناس كيف وجدوا في هذه الأرض؟؟؟!! وكيف تتطوروا من ( الأميبا ) أو الخلية الأولي حتى صاروا أناسا يجادلون ويتشككون ؟؟!! إن معجزة الخلق في مراحله المتعددة التي نشاهدها تتكرر كل يوم أمامنا تعتبر إحدى الآيات الكبرى لذوي الألباب , ألا فكّر أحدنا في تتبع مراحل هذه الصورة الرائعة المذهلة في التقاء الحيوان المنوي مع البويضة في رحم الأنثى ليكوّن الخلية الأولى التي تتطوّر حتى تصير جنينا حيّا متحركا في بطن أمه , والمعجز في ذلك أن هذا الجنين الحيّ المتحرك يستمرّ في هذا الوضع إلى الشهر التاسع أي لمدة خمسة أو ستة أشهر أخرى بعد حركته الأولى يعيش في وسط مائي ليس فيه أيّ بارقة من الهواء الذي تتنفسه كل المخلوقات البرية والجوية والذي لو غاب عنها لمدة دقيقتين تكون قد فارقت الحياة !!! أي أن هذا الجنين في بطن أمه يعيش كالأسماك في الماء!!! فإذا ولد وتنفّس الهواء يكون الصراخ هو ديدنه ثم الرضاع وما يترتب عن هذا الرضاع من مخلفات هو لا يدري بها , فهو كالمخلوقات العجماء في هذه المرحلة , وتتحمّل أمه المسكينة تنظيفه من ساعة إلى أخرى , فإذا بدأ يتحرك في الشهر الثالث أو الرابع تكون حركته هو الزحف كما تزحف الحيوانات الزاحفة , ومع مرور الأيام تصير حركته على أربع مثل هذه المخلوقات السائمة , ويبقى كذلك إلى السنة الأولى من حياته حيث سيقف على قدميه ويبدأ في النطق بكلمتي بابا وماما وشيئا فشيئا وتمرّ الأشهر والأيام ليصير إنسانا مدركا . ألا تدلّ هذه الصورة الموجزة جدا إلى كيفية تطوّر البشرية , حيث خلق الخالق الخلية الأولى في المياه الراكدة وتطورت مع ملايين ملايين الأحقاب من المخلوقات المائية إلى الزواحف إلى الطيور والثدييات إلى...... حتى صارت هذا الإنسان المغرور بنفسه , ألا تعطي هذه الصورة الموجزة مرة أخرى بعض التأكيد لنظريّة التطور التي جاء بها دارون , كما تؤكد قوله تعالى في كتابه العزيز من سورة نوح (وقد خلقكم أطوارا ) , وقوله ( وجعلنا من الماء كل شيء حيّا ) ثم , ألا يبعث هذا كلّه على التأمّل والتفكير بعمق في أصولنا ووحدة نشأتنا وأنه مهما كانت خلافاتنا فإننا لن نستطيع أن نخرج عن وحدة أصولنا , كلكم لآدم وآدم من تراب !!

إننا في هذه المحاولة نحب أن نقول لإخواننا في كل مكان في العالم لسنا ضدّ من يخالفنا في العقيدة, فالعقائد المختلفة من يهودية ومسيحية وإسلامية الخ... إنما تنبثق من مشكاة واحدة, كما قال في سالف الزمان, ذلك الملك الحبشي المسيحي العظيم, كما أننا لسنا ضدّ المتشككين , فالشك في رأينا هو الطريق إلى اليقين ,ولكن هناك فرقا شاسعا بين الشك والحسم , أي أن هناك فرقا بأن تشك في الرسالة السماوية وتبحث في ملابسات قيامها وتواجدها , أو أن تحسم الأمر بإنكارها بتاتا !! فالحسم في مثل هذه الأمور الخطيرة التي قد يستحيل فيها الحسم هو نوع من التهور وعدم الشعور بالمسئولية في اتخاذ القرار!!! وعلى أي حال فإننا نعتقد أن الإنسان مهما سبح في بحور الشك فلا مناص ّله في آخر الأمر من الرجوع إلى شاطئ اليقين , فالواقع والواضح هو أن هذه الرسالات الدينية في جوهرها ما قامت وتتطورت وانتشرت إلا لخير البشرية وصلاحها , هذا وإن كان بعض أبنائها قد تنكّبوا الطريق وساحوا في قشور هذه العقائد دون جوهرها , فإن الأمل ما زال قائما للرجوع إلى المقاصد الأساسية من هذه الرسالات وما احتوته من آمال عظام , ونحن على أساس هذه الآمال سطرنا هذه الحروف والكلمات , وبالله الواحد الأوحد السداد والتوفيق .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الطريق إلى وحدة البشرية وسلامها وتحقيق الغاية

من وجودها

 

هناك في بعض الأحيان وقائع لا تنسى ولا تغيب عن الذهن مهما طال الزمن وامتدت السنوات والأعوام , من ذلك أني لا زلت أذكر دخولي المدرسة الابتدائية في سنة 1931 حيث كان ذلك المعلّم الطيب الحنون بطربوشه الأحمر وبدلته الإفرنجية يعلمنا أول خطواتنا في الطريق إلى الحياة , إذ جعلنا نردد معه وبصوت عال عدة مرات , وأكاد أقول طول الفترة الصباحية , قواعد الإسلام

الخمسة : - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , والصلاة , والزكاة , والصوم , والحج على من استطاع إليه سبيلا , هذه القواعد الخمس قد ترسّخت في ّأذهاننا , من كثرة ما رد دناها بأصواتنا الطفوليّة الحنونة . نحن أطفال ذلك الزمن السحيق , ربما لم نكن ندرك ما في أعماقها من معاني , وأغلب الظن أن حتى من علمنا إياها ما كان يدرك أعماق تلك المعاني , وأغلب الظن أيضا أن الناس , بما في ذلك من يدّعون أنهم مسلمون قد غابت عنهم ما في هذه القواعد الخمس من أعماق ومقاصد, لو استخرجت كنوزها ووزّعت في أرجاء الأرض, لكان ذلك هو الطريق إلى إشراقة السلام على هذا الكوكب الذي يكاد ينفجر حقدا وكراهية وحروبا جعلت الدماء تجري هنا وهناك في جميع أرجائه.

فهل لنا أن نحاول هذه المحاولة ونخوض بحرها المتلاطم , لعلنا نستطيع استخراج بعض كنوز هذه القواعد , فإذا وفقنا إلى ذلك فكان أجرنا على الله, وربما استفادت البشرية من هذه الكنوز , واستطاعت بذلك التغلب على صراعاتها وخلافاتها , وإذا أخطأنا الطريق فإننا نرجو المغفرة , ولنا على أي حال ثواب كل مجتهد مخلص في سبيل صالح هذه الأرض وما ينتشر فيها من مخلوقات. ولأبتدئ بمحاولة فهم أبعاد القاعدة الأولى.

 

لا إله إلاّ الله

لا إله إلا الله , إن أغلبنا إن لم أقل جميعنا يردد هذه الكلمات بحروفها دون التأمل في فحواها ومعناها العميق الذي تهتزّ له السموات والأرض, فالمفروض أننا عندما نقول عبارة لا إله إلا الله بصدق وإخلاص وأن معانيها تتجاوب في أعماق قلوبنا وأرواحنا في كل مرة نردد فيها هذه الكلمات المقدسة لا بدّ أن يصغر أو يتلاشى كل شيء أمامنا أو حولنا من مباهج الدنيا وزخرفها ولا يبقى إلاّ هذا المعنى المطلق لله تعالى , ذلك أن المعنى الواضح من القول ( لا إله ) هو أنه ليس هناك في هذا الكون لا حاكم ولا سلطان ولا قوة نخضع لها إلاّ الله , أي أن ألوهية وسيطرة المال والمجد والسلطة والنفوذ والخوف من الحكّام الجبابرة والمتغطرسين قد محوناها من طريقنا وصارت صفرا في نظرنا إذا كنّا صادقين ونعني المعنى العميق لقولنا لا إله إلا الله , ويبقى الباقي الذي نتمسّك به ونلجأ إليه وهو الله الذي هو الخير المطلق والحق المطلق والجمال المطلق . وبهذا المعنى وعن هذا الطريق وما يحيط به من نور وأنوار نستطيع بالمحبة والتعاون مع إخوتنا بني البشر أن نقتحم الصعاب وتنفتح أمامنا أسرار هذا الكون للوصول إلى الجنة الموعودة التي وعد الله بها عباده الصادقين.

إن الله ليس كمثله شيء ولكنه في أعماق نفوسنا وقلوبنا وأرواحنا نحن البشر هو الخير كله والعدل كله والصدق كله , وهو هذا الجمال الرائع في هذا الكون الذي لم يستطع العلم حتى الآن أن يحدد أبعاده أو بدايته أو نهايته, وعليه فإننا إذا كنّا صادقين ومدركين لقولنا لا إله إلاّ الله فإننا سوف لا نخضع ألاّ لهذه المعاني الرائعة , لهذا النور المتألّق الذي يشعّ في هذا الكون من نجوم وكواكب وأفلاك ومخلوقات شتّى لا تقع تحت حصر أو تحديد , وبالتالي يبقى هوى النفس ورغباتها الجامحة في مباهج الدنيا من مال وقوّة ومجد وسلطان, تحت الأقدام , لا يمكن أن يهزّ إرادتنا أو يحيدنا عن الطريق المستقيم , كما تنتزع من نفوسنا ذلك الخوف والتخاذل أمام جبروت المتجبّرين وغطرسة المتغطرسين فليس هناك أله أو قوة نخضع لها إلاّ الله بمعناه الرائع العظيم الذي استقرّ في أعماق نفوسنا .

أيها الإنسان , إن كان ينقصك الصدق والوعي في قولك لا إله إلاّ الله , فسوف تخضع لمعاني الكذب والغش والتدليس والنفاق والذل والامتهان للوصول إلى أهدافك الدنيا , من مال وسلطة وقوة وطغيان وهيمنة , أمّا إذا كنت صادقا في هذا القول واستوعبت معانيه العميقة , فلا شك أن كل ترهات هذه الدنيا ستبقى عبارة عن عقبات وضعت أمامك لتجتازها وتتغلّب عليها للوصول إلى الهدف الأساسي من وجودك في هذه الأرض وهو صلاح هذا الكون والكشف عمّا فيه من أسرار . إن الله بهذا المعنى هو فوق الزمان والمكان قد تجدّر في أعماق نفس المخلوق البشري ودفعه شيئا فشيئا للخروج من أدغال الغابة حيث بدأ يخطو خطواته إلى التحضّر وإنسانية الإنسان .

لا إله إلاّ الله هذا المعنى الخطير الذي هو نور السماوات والأرض , كما جاء في القرآن الكريم ( هو نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب ذريّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء) إن هذا النور الذي يعمّ الكون من ملايين الأحقاب ثم ملايين الملايين من الأحقاب قد تلقّفته عقول وقلوب هذه المخلوقات البشرية في جميع أنحاء الأرض شرقها وغربها شمالها وجنوبها , وقد حدثنا التاريخ من يوم أن وجد التاريخ أن هناك أناس حملوا هذه الشعلة المضيئة ودافعوا عن وجودها ونورها بدمائهم وأرواحهم . إن هذا النور الساطع الذي أضاء لهذا المخلوق البشري عقله ووجدانه وكشف له الطريق للخروج من الغابة وصراعاتها المتوحّشة إلى الزراعة ثم إلى الصناعة ومن ثمّ إلى الاختراع والابتكار حتى طار في أجواء السماء ولاحق الكواكب والأفلاك وجعله يخاطب بعضه بعضا في جميع أرجاء الأرض والسماء في التوّ واللحظة عن طريق الهاتف الأرضي والمحمول والبرق وعن طريق الكمبيوتر, الأمر الذي جعل هذا العالم الواسع كأنه قرية صغيرة قد تلاحم سكانها ولم يعد يجهل أحدهم الآخر , هذا النور المبهر ستجده يتلألأ في كل معالم هذا الطريق الطويل صدقا وعدلا وخيرا وجمالا .

كل الأنبياء والرسل والفلاسفة من عهد آدم ونوح إلى يومنا هذا كانت رسالتهم هي هذا النداء المقدس لا إله إلاّ الله بمعناه العميق المتوهّج المتلألئ الذي هدى البشرية خطوات وخطوات , ولكن الذي يبدو أن الناس قد طال عليهم الزمن فبهت في أذهانهم جوهر هذا النداء وما فيه من نور وأعماق , فلو سألت أيّا من حولك من الناس ماذا يدور في ذهنك ووجدانك عندما تنادي بهذا النداء لا إله إلا الله أو تسمعه من الآخرين ؟؟ فبماذا يجيبك ؟؟؟ إنك ستجد الإجابة غامضة مبهمة لا تخرج عن كونه المعبود الذي لا نعبد سواه والذي نخشى ناره ونرجو جنته!!! فهل هذه الإجابة المبهمة الغامضة يمكن أن تمثّل العقائد السماوية ومنها رسالة الإسلام الفذّة الرائعة العظيمة؟؟!! وعلى أيّ حال ما هي هذه العبادة المدعى بها ؟؟؟ نعم لقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى و ما خلقت الجن ّوالإنس إلا ليعبدون ولكن ما هي حقيقة هذه العبادة ؟؟ هل هي الصلاة والصوم والزكاة والحج , فإذا أدّينا هذه الفرائض ونكون بذلك قد قمنا بالواجب علينا بخصوص هذه العبادة لنستحق الجنة ونتفادى العذاب؟؟ ولنا أن نتساءل لماذا فرضت هذه الفرائض وما هو المقصود منها ؟؟ وبمعنى أكثر وضوحا, هل هذه العبادة بذلك التحديد هي وسيلة أم غاية؟؟؟ إن الذي يبدو واضحا أنها الوسيلة إلى الطريق المستقيم, الطريق إلى وحدة البشرية وسلامها وتقدمها لتحقيق الغاية الكبرى من وجودها , ذلك أن الإنسان بأدائه هذه الفرائض وارتباطه بها يجعله ذلك مرتبطا بالخلق القويم الأمر الذي يؤدّي حتما إلى التعاون والتفاهم مع الآخرين لعمل كل ما هو خير في صالح البشرية , بدليل أن الإيمان بالله وعبادته قد ارتبطا بعمل الصالحات كما ارتبطا بالاستقامة , كما جاء في القرآن الكريم قوله تعالى عشرات المرات الذين آمنوا وعملوا الصالحات , وقوله تعالى أكثر من مرّة إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا - أي أن الإيمان بالله وعبادته قد ارتبط ارتباطا كلّيا بالاستقامة وعمل الصالحات كما ورد وتكرر في كثير من السور القرآنية . هل يمكننا بناء على ذلك أن نقول أن العبادة هي النداء بوحدانية الله والصلاة والزكاة والصوم والحج, وهذه هي الطريق إلى الصلاح والاستقامة؟؟؟ ولنا أن نتساءل ما هو المقصود بالاستقامة وما هو الصلاح وعمل الصالحات وما جوهر هذه الأهداف التي ارتبطت بالإيمان بالله في قولنا لا إله إلا الله ؟؟؟ لا بدّ أن يكون هناك معيار نهتدي به في هذا السبيل, فما هو هذا المعيار أو المعايير التي تدلّنا إلى طريق الصلاح والاستقامة, هل هو الاتجاه إلى عمل الخير ؟؟؟ إن معنى الخير قد يختلف في شانه الناس من شخص إلى آخر, بل قد تختلف في شانه هذه الفئة من الناس عن تلك الفئة, فما يراه هؤلاء خيرا قد يراه أولئك غير ذلك. هل هو العدل ؟؟؟ إن العدل وإتباع العدل في التصرفات قد يكون الأقرب إلى الاستقامة , ولكن العدل بمعناه الواسع قد يختلف بشأنه الأفراد والمجتمعات فما يراه هؤلاء الناس عدلا , قد يراه مجتمع آخر ظلما وعدوانا , وما هذه الحروب والدماء الجارية في أنحاء الأرض إلاّ بسبب ادعاءات متباينة حول معاني العدل وماهية العدالة . هل هو الجمال ؟؟؟ إن الجمال هو غذاء الروح والعقل والوجدان, والناس جميعا تنبهر بالجمال أين ما كان هذا الجمال, ولكننا لا زلنا في ميدان الاختلاف , فما أراه أنا جميلا جدّا قد تراه أنت متواضع الجمال .

إدًا ما هي هذه الاستقامة ونوعية الصلاح التي ارتبطت بالإيمان بالله وعبادته حيث نردد قولنا لا إله إلا الله ؟؟؟؟ ألا يمكن أن يكون ذلك هو الصدق ؟؟ إن الصدق في كل زمان ومكان لا يمكن أن يختلف في شانه جميع مخلوقات هذا الكون من يوم أن وجد هذا الكون , فلولا إيماننا بصدق موسى وعيسى ومحمد - عليهم سلام الله جميعا - ما كانت اليهودية والمسيحية والإسلام , وما كانت الثورات وما كان الإنجيل والقرآن , وقد روي عن النبيّ محمد عليه سلام الله أنه سئل عن المعاصي من سرقة وقتل وزنى هل المؤمن معرض لارتكابها , فأقرّ النبي بتعرض المؤمن لمثل هذه المعاصي , ثم الاستغفار والتوبة إلى الله منها, ولكنه عندما سئل عن الكذب فقام النبيّ واقفا وقال أن المؤمن لا يمكن أن يكذب , لا يمكن أن يكذب , وكرّرها مرّتين , ممّا يدل على أن الكذب لا يتفق مع الإيمان , والواقع الفعلي أن الكذب لا يمكن أن يتفق مع قولك لا إله إلا الله فكأن الصدق والإيمان شيء واحد .

على أي حال سواء كان هذا الاجتهاد صائبا أو خاطئا فقد استقرّ في ذهن كاتب هذه السطور منذ أمد بعيد , بعيد جدا , أي منذ طفولته المبكّرة عندما كان والده رحمه الله يردد كلمة - النجاة في الصدق باستمرار وفي جميع المناسبات , قد استقرّ في ذهن صاحبنا عندما شبّ ونضج أنه فعلا وواقعا أن النجاة كل النجاة في الصدق , فالصدق هو نجاة الإنسان الصادق في أي مكان في العالم , وهو نجاة كل البشرية إذا ما صدق أفرادها في كل تصرفاتهم وأقوالهم ونواياهم . ولا يفوتني هنا أن أشير إلى محاربة الكذب في العالم الغربي , في أوروبا وأمريكا وأثره الفعّال في التقدم الحضاري في هذه المناطق, حتى ذهب الكثيرون إلى أن هذا التقدم الحضاري كان السبب الأول فيه هو التشدد في محاربة الكذب, ففي العالم الغربي يمكن أن يتسامح معك في أي ذنب وقعت فيه إلاّ الكذب فليس فيه أي تسامح, فإذا ارتكب أي مخلوق هذه الرذيلة ولو لمرة واحدة فقد قضى على مستقبله, وبهذه المناسبة أذكر حادثة الرئيس السابق نكسن في فضيحة وترقيت حيث أضطرّ إلى الاستقالة, وعندما أراد أن يرجع لمهنته كمحامي وطلب إرجاع قيده في جدول المحامين رفضت النقابة هذا الطلب ليس لكونه قد تورط في فضيحة وترقيت بل بسبب اكتشاف كذبه أثناء التحقيق معه. وليتأمّل معي القارئ الكريم أنه لو صدقت الشعوب والدول وكل المجتمعات والأفراد في هذا الكون الواسع لانتهت جميع الصراعات والمعارك والحروب والدماء . فهل نستطيع يا ترى أن نذهب إلى أن إيماننا بالله وعدم الخضوع لغير الله في قولنا لا إله إلا الله , هو أن أيماننا بالصدق هو الطريق إلى خير البشرية وسلامها ووحدتها وتقدمها والوصول بها إلى الجنة الموعودة ؟؟!!

 

محمد رسول الله

 

فإذا وصلنا إلى الجزء الثاني من هذا المبدأ وهو محمد رسول الله في قولنا لا إله إلا الله محمد رسول الله, فهل معنى ذلك هو التكريم لهذا النبي الكريم ؟؟ المفروض أن رسالة الإسلام في جوهرها هي رسالة التوحيد وكان يمكن الاكتفاء بقولنا لا إله إلاّ الله فلماذا نضيف إليها عبارة محمد رسول الله ؟؟؟ فما هو المقصود فعلا بهذه العبارة محمد رسول الله ومحمد عبده ورسوله - التي ارتبطت بوحدانية الله ؟؟ ألا يمكن أن يكون ذلك تنبيها زاجرًا لأتباع هذه الرسالة ألاّ يقعوا فيما وقع فيه من كانوا قبلهم من خطأ فاحش بتاليه أنبيائهم؟؟؟!!! كما حصل من البعض بالنسبة للمسيح عيسى ابن مريم , عليه سلام الله , فدفعهم حبهم لنبيهم وحماسهم لهذا الدين أن جعلوا من المسيح ابنا لله , بل قال بعضهم أن المسيح هو الله متجسّدا في الأرض!!! الأمر الذي لا يتفق مع صفاء العقيدة وتنزيه الخالق العظيم الذي لم يلد ولم يولد .

ومع ذلك وبالرغم من هذه الإشارة الواضحة والتنبيه الزاجر وهي أن من جاء برسالة الإسلام هو رسول من البشر كبقية البشر وكل ما في الأمر أن الخالق قد ميّزه وكرّمه لكونه على خلق عظيم , وكان في طفولته وشبابه , الصادق الأمين , بأن أرسله للبشرية هاديا ورسولا , والرسول في اللغة العربية هو من يحمل رسالة من جهة إلى جهة أخرى فالمعنى كما هو واضح ليس فيه أيّ تقدير أو تكريم إلا بالأمانة في أداء الرسالة التي أتمن عليها, أقول بالرغم من ذلك كلّه , فإننا نجد أن الكثير من أتباع هذه الرسالة المجيدة قد وقعوا في نفس خطأ من كان قبلهم , فدفعهم حماسهم وغلوّهم في دينهم أن يمجّدوا هذا الرسول في بعض الأحيان أكثر من تمجيدهم لله سبحانه وتعالى , الأمر الذي يجرّهم إلى الشرك والعياذ بالله . فقال البعض بعصمته الكاملة وتجريده من بشريّته كإنسان يمكن أن يخطئ كبقية البشر , كما نسبوا إليه المعجزات والخوارق, وهذا التوجه يخالف ما جاء في القرآن الكريم فقد جاء في بعض آياته نوعا من العتاب للرسول عن خطئه في التفاته عن الأعمى واهتمامه بالأغنياء في بداية الرسالة , كما جاء في سورة عبس وتولّى , وقد حرص القرآن على تثبيت بشرية الرسول في قوله تعلى , إنك ميّت وأنهم ميّتون , وقوله تعالى , وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه .

هذه الآيات القرآنية وغيرها كلها إشارات واضحة تؤكد بشرية الأنبياء والرسل, وتحثّ الناس جميعا ألاّ يندفعوا في حماسهم لدينهم فيقعوا في المحظور والخطأ بتاليه أنبيائهم وإصباغ التقديس المبالغ فيه لهم وإضفاء العصمة عليهم . يجب علينا جميعا أن نعي جيّدا , أن العصمة المدعى بها لا تقوم إلا في الحالات المتعلقة بأداء الرسالة المكلف بها النبيّ أو الرسول بالصدق الكامل والإخلاص غير المحدود , وفي غير ذلك فهو بشر يعيش بين الناس , ويأكل الطعام وما يترتب عن أكل الطعام , ويمشي في الأسواق , ويلتقي بالجنس الآخر كبقية البشر, ومن المعروف والمتداول تاريخيّا أن هذا النبي الكريم عليه سلام الله قد منع منعا باتا أن يكتب عنه غير آيات القرآن الكريم, ومع ذلك قد وجدنا أنفسنا أمام عشرات الآلاف من الأحاديث المنسوبة إلى هذا النبيّ الكريم ويكاد البعض منها يخالف ما جاء في القرآن المعظّم!!! فكيف يمكن التعامل مع هذا الموضوع الشائك بالنسبة لصفاء العقيدة وإبعادها عن الخلافات والشكوك؟؟؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والواقع أن الإيمان ببشرية الرسل والأنبياء هي الفيصل في سلامة العقيدة وجوهر الهدف منها , فممّا لا شك ولا ريب فيه أنه لو تخلّص أصحاب العقائد من تقديس الأنبياء والرسل, أو تقديس دواتهم وأقاربهم ومن كان حولهم, فالذي يبقى للجميع هو الله رب هذا الكون ولم يبق أي خلاف جوهري بين اليهودية والمسيحية والإسلام , أو بين الطوائف المختلفة في هذه العقائد. وقد قال الله في كتابه العزيز ( إن الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون ) فالله في هذه الآية المجيدة لم يفرّق بين العقائد المختلفة ممّا يؤمنون بوحدانية الخالق العظيم , ومما يؤكّد ذلك ما جاء في الآية الأخرى التي قال فيها ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ). فالهدف الأساسي في هذه العقائد هو الإيمان بوحدانية الخالق, وما جاء الأنبياء والرسل إلا لهذا التوجيه والتوجّه.

والواقع , مرة أخرى , أن الانحراف عن هذا المعنى الإنساني فيما يختص بالأنبياء والرسل , هو الذي شوّه , والعياذ بالله , وحدانية الخالق التي هي الطريق السليم الواضح إلى وحدانية البشر وسلامها ونزع صراعاتها وحروبها ودمائها في هذه الأرض, وهو ما هدفت إليه الرسالات والأديان في جوهرها من عهد آدم عليه السلام إلى وقتنا الحاضر . ولك أن تستغرب وتتعجّب كيف تاهت البشرية عن هذه المعاني الواضحة الجليّة وضوح الشمس وجلائها والتي تثبت بصفة القطع والحسم وحدتهم ووحدة أصولهم .

 

 

الصلاة

 

فإذا وصلنا إلى القاعدة الثانية من القواعد الخمس في رسالة الإسلام وهي الصلاة , فإننا نجد في قواعدها وطريقة أدائها دعوة واضحة وملحّة إلى نظافة الجسم والضمير ووحدة البشرية وسلامها, إلا أن أكثر الناس قد فاتهم ما في أعماق هذه القاعدة من نور وبهاء فزاولوا قشورها دون جوهرها , فكيف كان ذلك ؟؟؟

إن الذي يؤسف له أن المعنى العميق لهذا المبدأ والواجب , يغيب عن الكثيرين منّا وبالتالي ترانا تائهين نتخبّط يمينا وشمالا نعيش في محيط من الأخطاء والشرور وهوى النفس التي تنحدر بالإنسان إلى الأسفل باستمرار عجيب , فأغلبنا إن لم أقل كلنا يؤدي الصلاة خمس مرّات في اليوم كواجب روتيني سواء في حركاتها أو كلماتها, مع أن أداء هذه الشعيرة والواجب في جوهرها هي أعظم من هذه الحركات والكلمات التي نؤديها روتينيّا في شبه غيبوبة .

إن الصلاة قد فرضت على الإنسان لهدف سام نبيل لو فهمناه ووعيناه لكان الطريق المستقيم لخير البشرية جميعا والوسيلة الواضحة الرائعة للتقدم والارتقاء.

أن في الصلاة قواعد أساسية وجوهرية يجب ألاّ تغيب عنّا عند القيام بها, بل يجب أن تكون حاضرة في أذهاننا من أول لحظة تنفيذها إلى آخر لحظة , حتى تسود نتائجها المبهرة الرائعة في صلاح البشرية جمعاء على هذه الأرض .

أولا قبل الدخول في تنفيذ هذا الواجب , على الإنسان أن يتطهّر عن طريق الوضوء وهو غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين , وفي حالة الجنابة أي في حالة الاتصال الجنسي لا بدّ من الاغتسال أي تنظيف الجسم بأكمله . ولا شك أن ارتباط الصلاة بالطهارة له معناه العميق من جميع النواحي عقليا ووجدانيا وروحيا , فالإنسان عندما يهيئ نفسه للصلاة إنما يستعدّ للوقوف في رحاب الله الخالق العظيم بالمعني الذي سبق ذكره في القاعدة الأولى من قواعد الإسلام الخمس , وفي ذلك ما فيه من ارتقاء نحو معاني الصدق والخير والعدل والجمال . والطهارة هنا لها معناها الرمزي بجانب المعنى الواقعي , ذلك أن المصلّي إذا لم يجد الماء للوضوء أو كان مريضا فله أن يتيمّم بصعيد طاهر من مثل قطعة من الحجر , بان يضع يديه على تلك القطعة الحجرية ويمسح يديه ووجهه , وهكذا يكون قد قام بهذه الطهارة الرمزية , وفي اعتقادي , وهذا اجتهادي , انه يجوز في هذه الحالة استعمال الهواء في هذا الشأن فالهواء الذي نتنفسه هو صعيد طاهر أيضا , فالمقصود هو الناحية الرمزية للطهارة في الظروف التي تقتضي ذلك , فالقاصد إلى الصلاة إنما هو قاصد لملاقاة خالق هذا الكون الواحد الأحد , ونحن إذا تدبّرنا عمق هذا التوجه في الاستعداد للصلاة نجد أن الرمز هو الهدف الأساسي في هذه التوجّه .ومما يؤكّد فكرة الرمزية في الوضوء أو الغسل أو التيمّم فقد اجمع الفقهاء أن الوضوء أو الغسل لا يتمّ إذا لم تسبقه النية مهما كرر الإنسان هذا الوضوء أو الاغتسال , وكذلك الأمر بالنسبة إلى التيمّم ممّا يدل دلالة واضحة جليّة على الرمزية في هذا الشأن . ونحن إذا تأمّلنا هذا الموضوع بعمق وحاولنا سبر أغواره بدقّه نجد أن الطهارة والنظافة التي هي هدف من أهداف هذه الرسالة قد ارتبطت بوجودها في الدهن والعقل باستمرار بسبب فرض وجود النية في كل مرة يتوضأ أو يغتسل أو يتمّم فيها الراغب في الصلاة التي تتكرر خمس مرات في اليوم ممّا يجعل هذه الطهارة والنظافة قائمة في ذهن الإنسان وعقله بدون انقطاع . ومن المؤكد أن هذا المعنى الذي سوف يستقرّ في ذهن الإنسان ووجدانه سيؤدّي حتما الى التوجّه الدائم المستمرّ إلى هذا الاتجاه في تصرفات البشر في جميع ما يحيط بهم فيتطهّر العقل والوجدان والبيت والشارع والمدينة والمدن ثمّ الدولة والدول...

بعد الطهارة نتجه إلى الصلاة وهي تقوم على ثلاث قواعد أساسية وجوهرية يجب ألاّ تغيب عنا عند القيام بها , أولها الاتجاه إلى الكعبة وثانيها أننا ندخلها بتكبيرة الإحرام الله أكبر وثالثها أننا نخرج منها بدعوتنا إلى السلام بقولنا السلام عليكم , وعند أدائها نستحضر بعض آيات القرآن الكريم ابتداء بسورة الفاتحة .

في هذا الشأن لا بدّ لنا أن نتساءل, لماذا الاتجاه إلى الكعبة عند أداء هذه الشعيرة خمس مرّات في اليوم ؟؟ إن الذين آمنوا بهذه الرسالة الفذّة في جميع أركان الأرض , شرقها وغربها , شمالها وجنوبها , يجمعهم جميعا هذا الاتجاه خمس مرّات في اليوم , وأعتقد اعتقادا جازما أن ليس هناك أعظم ولا أروع في جمع البشرية وخلق الأخوة والوحدة بينهم من هذا التوجه اليومي المتكرر الرائع الفذّ العظيم . إن البشر قد يختلفون في أشياء كثيرة, ولكن إحساسهم بوحدتهم في هذا التوجه اليومي المتكرر نحو الكعبة لا شك أنه يزيل الكثير من ذلك الاختلاف ويقرّبهم يوما فيوما إلى وحدتهم في سبيل الخير والصلاح . والشيء العجيب المعجز أن الكعبة المكرّمة تقع بالتقريب في موقع يكاد يكون مركز الكرة الأرضية , وقد أكّد لنا ذلك الأستاذ الليبي المهندس فؤاد الكعبازي , بأن رسم خطّا على خريطة الأرض يبتدئ من أقصى نقطة أرضية في الشمال الشرقي تنتهي بأقصى نطة أرضية في الجنوب الغربي , وخطّا آخر يبتدئ بأقصى نقطة في الشمال الغربي وينتهي بأقصى نقطة في الجنوب الشرقي , فإن الخطين يلتقيان في منطقة الكعبة المشرّفة !!! والناس في أنحاء الأرض مع الأسف الشديد يجهلون أو يتجاهلون هذا الواقع المبهر والمعجز باعتبار قيام الكعبة المشرّفة في مركز الكرة الأرضية, الله أكبر الله أكبر !!!!

عند الدخول إلى الصلاة ينادي المصلّي بصوت جوهريّ عال الله أكبر مع رفع اليدين إلى أعلى بالتسليم والخضوع إليه , أن كلمة الله أكبر لو نطقها أيّ مخلوق بإخلاص فإنها تهزّ السماوات والأرض , أننا عندما نقول هذه الكلمة بصدق ومن أعماق وجداننا وقلوبنا وعقولنا وبفهم واع لمعانيها وأبعادها تجعل كل شيء صغيرا تافها أمامنا ما عدا الله الذي هو الحق كله والصدق كله والخير كلّه , إنها تجعل كلّ صغائر هذه الدنيا تافهة بسيطة تتبخّر وتضمحلّ في نور الله , في ذلك النور الذي هو كل الحق والخير والجمال .

فإذا دخلنا في الصلاة فإننا نستحضر بعض سور القرآن الكريم إبتداءا بسورة الفاتحة ( بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد لله ربّ العالمين , الرحمن الرحيم , مالك يوم الدين , إيّاك نعبد وإيّاك نستعين , أهدنا الصراط المستقيم , صراط الذين أنعمت عليهم , غير المغضوب عليهم , ولا الضالين ) إنك عندما تصلّي تشعر في أعماق نفسك بوحدة المشاعر مع كل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها ينادي معك بهذا النداء خمس مرّت في اليوم , وممّا لا شك فيه أن هذه الوحدة في الدعاء الجماعي ( أهدنا وليس أهدني ) إلى الله بالهداية إلى الطريق المستقيم وطريق غير الضالين المضللين الوارد في سورة الفاتحة من المؤكّد أنه جامع في النهاية هذه القلوب والعقول إلى الخير والصلاح والإحساس بوحدة المصير .

وتكون خاتمة الصلاة بعبارة - السلام عليكم - يكررها المصلي مرتين في كل صلاة مع الالتفات إلى أعلى وأسفل ثم اليمين واليسار تعبيرا على أن السلام موجّه إلى شمال الأرض وجنوبها وشرقها وغربها . وهي رسالة فذة يحملها المسلمون للناس جميعا في جميع أنحاء هذه المعمورة .

إن البشرية التي كابدت الحروب والمآسي والدماء الآتية لأحقاب طويلة من أناس يدعون الحضارة والتقدم , يقابلهم أصحاب هذه الرسالة بالسلام , السلام المكرر في كل صلاة خمس مرات في اليوم, ليلا ونهارا , هذا السلام الذي صار تحية المسلمين عند كل لقاء , فأتباع هذه الرسالة عندما يقابل بعضهم بعضا فإن تحيتهم عند هذا اللقاء هي هذا النداء الرائع الفذّ ( السلام عليكم ) , ويكون ردّ الطرف الآخر هو ( وعليكم السلام ) , هذه الدعوة الرائعة الى السلام التي يفتقدها عالمنا اليوم وهو في أمسّ الحاجة إليها.

ولأي إنسان أن يتصوّر , لو أن هذا العالم الغارق بعضه في غطرسته وأنانيته قد تبنّى مبادئ هذه الرسالة وكرر مع أصحابها دعوة السلام تحية وعبادة في حياتهم اليوميّة , ألا يمكن أن يزيل هذا التوجّه تلك الحروب والدماء , وينتشر في ربوع الأرض السلام والمحبة والخير والعدل والجمال .

ولأيّ إنسان أن يتساءل لماذا اندلعت حربان مدمرتان في أوائل القرن العشرين , أكلت الأخضر واليابس وقتلت عشرات الملايين من البشر , ودمرت في فترات قصيرة ما بناه الإنسان في ميئات السنين , هذا مع عشرات الحروب في القرون السابقة . وهل هناك ما هو أكثر جنونا وغطرسة وانعدام إنسانية الإنسان من إلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناجازاكي , حيث قتلت في دقائق معدودة عشرات الآلاف من النساء والأطفال !!!

وقد كان كل هذا الضلال والشرور قد أتى من قادة غرقوا في غيّهم وغطرستهم , ولكن ألا يمكن أن يكون ذلك الضلال والغطرسة وفقدان الإنسانية بسبب افتقار هؤلاء لمعاني السلام الواردة في رسالة الإسلام وأن هذا المعنى الجليل لم يغرس في وجدانهم وعقولهم ؟؟ إننا ندرك ما جاء في رسالة المسيح عليه السلام من توجيهات إنسانية رائعة , من مثل قوله , الله محبة , ومثل قوله من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر , ولكن هذه التوجيهات الإنسانية العظيمة الرائعة لم ترتبط بحركة يومية متكررة كما جاء في رسالة الإسلام حتى تؤثّر في نفوس أتباع رسالة المسيح عليه السلام , إلاّ القليل منهم , ومما يؤكد ذلك أن المنطقة التي سادت فيها رسالة الإسلام ( السلام عليكم ) لم يندفعوا إلى إشعال مثل هذه الحروب وإراقة تلك الأنهار من الدماء إلاّ ما ندر الذي لا يمكن مقارنته بما حصل في العالم الغربي , والكل يعرف أن تلك الحروب التي وقعت في المنطقة الإسلامية أوائل القرن العشرين كانت حروبا استعماريّة كانوا فيها في حالة دفاع شرعي عن وطنهم وكيانهم .

ولسائل أن يتساءل لماذا كان الاعتداء والعدوان والظلم والظلام كان يأتي إلى منطقة الشرق باستمرار من العالم الغربي في الحروب الصليبية التي تكرّرت الى ثماني حروب , وصلت وحشيّة بعض الصليبيين ( والمسيحية منهم براء ) الى إفناء سكان بعض المدن في فلسطين إفناء كاملا بما فيها من نساء وأطفال وشيوخ ، وهذا التوجه الوحشي قد تكرر في حروب الاستعمار الذي اجتاح المنطقة الإسلامية بعدوانه وفجوره وظلمه وظلامه , ويكفي ما نشاهده كل يوم من هذه الأيام من عدوان سافر فاجر على الشعب العراقي ثم الشعب الفلسطيني بتأييد شيطاني من قيادات أمريكا وأوروبا, وبالتجاهل التام لمقررات الأمم المتحدة ومجلس الأمن , أليس هذا هو العار والفضيحة لهؤلاء الناس الذين يدعون التقدم والحضارة في العالم الغربي ؟؟!!!

إني أعتقد ولعل الكثير يوافقني في هذا الاعتقاد أنه لو كان هؤلاء المعتدون الظالمون قد ساد بينهم الاتجاه إلى الله خمس مرات في اليوم وتكررت كلمة السلام بينهم كما يكررها المسلمون في أنحاء الأرض . فمما لا شك ولا ريب فيه أن هذا الظلم والظلام وهذا الاعتداء الفاجر على عباد الله يكون قد زال أو سار في طريقه إلى الزوال . ولعلماء النفس والمتخصصين في هذا الحقل أن يؤكدوا هذا المعنى أو يشككوا فيه , وإن كنت متأكدا أن عبارة السلام لو تمّ ترديدها , بروحها ومعناها العميق , بين الناس آلاف وآلاف المرّات كما هو حاصل بين المسلمين فلا بدّ أن يكون لها أثر بالغ في نفس الإنسان وتصرفاته أينما كان هذا الإنسان .

قد يتساءل سائل , إذا كانت هذه الفكرة صحيحة فلماذا تصدر عشرات وقائع العنف من هؤلاء الناس الذين يرددون هذه العبارة في صلاتهم وفي تحيتهم اليومية ؟؟!!

إن الإجابة على هذا التساؤل تحتاج إلى تحليل واسع وعميق , ولكن يمكن القول باختصار , وهو أن هذه الحوادث العنيفة علاوة عن كونها حوادث فرديّة فأن الدافع إلى ذلك يرجع إلى سببين رئيسيين .

أولهما أن الكثيرين ممٌا يتورّطون في مثل هذه الأعمال التي يقال أنها إجرامية , مع الأسف الشديد , من الذين أخذوا من رسالة الإسلام قشورها من أمثال الذقون الطويلة والتعصب الأعمى, من الذين عاشوا ويعيشون على الكتب الصفراء التي أتت بها عصور الانحطاط والتردّي والكثير منها من الإسرائيليات , وهؤلاء الناس يرددون عبارة السلام بأفواههم وألسنتهم بدون وعي وإدراك لروح الكلمة ومعناها العميق , وبالتالي فهي لا تستقرّ في وجدانهم وعقولهم حتى تسيطر على تصرفاتهم . ولذلك أسباب , إن شعب المنطقة العربية التي يسمونها بالشرق الأوسط قد فقدوا الثقة في الخط اليساري والخط القومي بناءا على التجارب المرّيرة التي ابتليت بها هذه المنطقة في هذه العقود الأخيرة من القرن الماضي بسبب هذه الإنقلابات العسكرية المتكرّرة التي ابتلي بها العرب وبالتالي فقد اتجه اغلب العامة الى الخط الديني , الذي تولّى قيادته في أغلب الأحيان أناس أخذوا من الدين قشوره غارقين في تلك الكتب الصفراء التي جاء بها عهد الانحطاط والتخلّف , كما سبق أن قلنا , وقد استغلّ البعض منهم هذا التوجه في تحقيق أغراضه المادية أو السياسية , فأعطوا صورة مشوّهة بائسة لرسالة الإسلام خصوصا في العالم الغربي حيث دمغ بالعنف والإرهاب وصار المسلم والعربي محلاّ للريبة والازدراء وحتى الاحتقار , مع أن رسالة الإسلام في جوهرها هي رسالة السلام والمحبة تنطلق من قوله تعالى : من قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون .

أمّا السبب الثاني , وهو الأهم والأقرب إلى الحقيقة, فإن هذا العنف الصادر من هذا الشباب الجامح والذي يسمونه جريمة وإرهابا هو في الواقع دفاعا عن النفس والوطن وردّة فعل لما حصل ويحصل من عدوان سافر ومدمّر وخطير على هذه المنطقة العربية الإسلامية, ويكفي ما نشاهده كل يوم من العدوان الصهيوني والغطرسة الأمريكية في فلسطين والعراق وغيرها من المناطق العربية التي يسمونها زورا وبهتانا الشرق الأوسط . وقد قلت كلمة بهذا الخصوص في اللجنة العامة لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بجنيف جاء فيها ما يلي

باسم الله الرحمن الرحيم

سيدي الرئيس

إن المشاهد المتكررة منذ خمسين عاما والتي يراها ويسمع هديرها الجميع في القنوات التلفزيونية من أقصى الأرض إلى أقصاها هي أن قوما يهاجمون قوما آخرين في أرضهم وديارهم مستخدمين الطائرات والدبابات والمدافع والصواريخ يقتلون النساء والأطفال ويدمرون المنازل ويجرفون الأرض ويقتلعون الأشجار , وحيث أن هؤلاء الآخرين لا يملكون في أيديهم سوى الحجارة يقذفونها على هذه الدبابات والسيارات المصفحة في حركة يائسة قوامها القهر والمرارة , وعندما يفيض بهم اليأس وتتحطم نفوسهم من الإذلال والهوان يقومون بتفجير أنفسهم وسط من يعتقدون أنهم سبب هذه الماسي والآلام .

إن الذي يثير القلق يا سيدي الرئيس , ويبعث فينا الإحباط نحن المنظمات غير الحكومية هو أن هذه المشاهد التي يشاهدها ويسمع هدير طائراتها ودباباتها وصواريخها المجتمع البشري في أنحاء الأرض كل يوم تقريبا , قد أصبحت عند البعض , من المشاهد الروتينية التي لا تثير في وجدانهم أي انفعال أو تأسى , وهنا تبرز خطورة هذا الوضع , فقد أصبح المجتمع البشري , من كثرة ما رأى وسمع , وتكراره ليلا ونهارا , أصبح لا يبالي بما يدور حوله من حوادث مفجعة وأخطار رهيبة, الأمر الذي شجع عناصر الشر وزبانية الظلام على عدم الاكتراث بالقيم الخلقية والمبادئ الإنسانية وما يفرضه القانون الدولي في الساحة العالمية , وآخر الفواجع التي أذهلت العالم هو موقف القيادات الإسرائيلية والأمريكية من قرار محكمة العدل الدولية الذي صدر أخيرا بخصوص الجدار العنصري الذي أقيم في فلسطين ومطالبة المجتمع الدولي بإزالته , فلولا فجور القوة وغطرسة الاستعلاء والإغراق في العنصرية والاستهانة بالرأي العام العالمي لما جرؤت الصهيونية العالمية وأذنابها من اليمين الأمريكي على معارضة حكم يصدره أربعة عشر قاضيا من محكمة العدل الدولية !!!

ألم يدرك هؤلاء القادة المتطرفون من صهاينة وأمريكيين أن ما يسعون إليه في هذه المنطقة من هيمنة وتوسع هو المستحيل , بل وابعد المستحيلات , وسوف لا يأتي من ورائه إلا مزيدا من الدماء والآلام لجميع الأطراف , بما في ذلك اليهود الوافدين أنفسهم , إن بوش ومعاونيه من اليمين المتطرف لم يقرئوا التاريخ وإلا لعرفوا أن المنطقة العربية بتاريخها الحضاري العريق هي غير القارة الأمريكية في القرن الثالث عشر والرابع عشر عندما اقتحمها المهاجرون الأوربيون , وقد قال المؤرخ البريطاني المشهور أرنولد تويمبي , إن الكيان الصهيوني الإسرائيلي قد غرس تعسفا في منطقة لها تاريخها الحضاري لآلاف السنين , وان هذا الكيان المسخ إما أن ينسجم ويتلاءم ويتعاون بالحسنى مع هذه المنطقة العريقة , أو أنه سيلفظ كما يلفظ أي جسم غريب .

لسائل أن يتساءل لماذا تردد منظمتنا وتكرر مثل هذه الأقوال ؟؟... والإجابة , إننا نرددها بل ونصرخ بها ليسمعها المجتمع الدولي وينتبه إلى أخطارها وما سوف تجره على العالم من ويلات وكوارث, ويكفي أن يذكر الجميع وكما هو واضح أن هذا الكيان الذي غرس في المنطقة هو كيان عنصري وغارق في العنصرية , وهو يملك السلاح النووي ويرفض , بكل الغطرسة والعنجهية , الإشراف الدولي على هذا السلاح الخطير .

بناءا عليه يا سيدي الرئيس , فان منظمتنا تطلب وتستنجد جميع المنظمات غير الحكومية, التي تمثل بحق شعوب العالم , أن تقوم بواجبها تجاه هذه الأخطار التي لا تهدد المنطقة العربية فحسب , بل إنها تهدد العالم أجمعه . وليس هناك أعظم واشد أثرا , في ظروفنا الحالية , من كلمة حق وصدق تخرج من هذا الاجتماع ينبه بل وينذر زعماء إسرائيل أن المجتمع الدولي كما رفض النازية العنصرية السابقة فهو يرفض اليوم بكل قوة وحسم ووضوح العنصرية الجديدة التي تعشش في رؤوس الواهمين بأرض إسرائيل الكبرى - من النيل إلى الفرات كما رمز لها العلم الإسرائيلي بخطيه الأزرقين . إن علينا جميعا واجبا إنسانيا تجاه إخواننا من سكان فلسطين, يهودا ومسيحيين ومسلمين , الذين يرغبون في السلام والعيشة الكريمة المتعاونة مع جيرانهم في هذه المنطقة المقدسة والنداء معهم بجميع الوسائل والإمكانيات إلى تحقيق الدولة العلمانية غير الدينية في فلسطين تكون أساس السلام والتعاون والرفاهية في المنطقة . انه الحلم العظيم الذي يجب على الشرفاء التمسك به والدفاع عنه مهما اشتدت العواصف والأنواء , فهو وان كان يعتبر حلم من الأحلام البشرية العظيمة , فهو على أي حال حلم غير مستحيل التحقيق , والإنجازات الإنسانية العظيمة كانت دائما أحلاما عظيمة ,

شكرا سيدي الرئيس

ايفورد , جنيف , أغسطس 2004

 

 

 

صلاة الجمعة

 

من المسائل التابعة لمبدأ الصلاة هي صلاة الجمعة , إن الله قد أوجب على أتباع هذه الرسالة صلاة الجمعة أي الاجتماع بالمسجد ظهر يوم الجمعة من كل أسبوع , وهو واجب لا يمكن التقصير فيه إلا للضرورة القصوى , فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى ( يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) فالصلاة في الأيام العادية وإن كان من المستحب القيام بها في المسجد مع الجماعة , فإنه يمكن أدائها في أوقاتها في أي مكان طاهر يتواجد فيه المصلّي سواء كان في البيت أو في مكان العمل أو حتى في الشارع, المهم هو طهارة المكان , أما صلاة الجمعة , ويجب القيام بها ظهر يوم الجمعة , فلا بدّ حتما من التواجد بالمسجد للصلاة مع الجماعة وسماع خطبة الإمام .

ممّا لا شك فيه أن هذه القاعدة أو هذا الواجب هو من أعظم الأسس التي جاءت بها رسالة الإسلام , فأين ما وجد أتباع هذه الرسالة في جميع أصقاع الأرض شرقا وغربا , شمالا وجنوبا , وفي كل حيّ من الأحياء في المدن أو القرى تواجد فيه مسلمون يحصل هذا الاجتماع الخطير , وما يترتب عنه من تلاحم وتفاهم ومشاركة في الرأي بين المجتمعين

الهدف واضح كل الوضوح من هذا الواجب الذي جاءت به رسالة الإسلام وهو أن يجتمع أناس كل حيّ من الأحياء على الأقل مرة في كل أسبوع وهو ظهر يوم الجمعة ليذكروا الله ويصلّوا جماعة وليتذاكروا في شؤون دينهم ودنياهم, هذا هو جوهر هذا الواجب , ولكن مع الأسف الشديد أن هذه القاعدة الهامة قد صار تنفيذها يأخذ الطابع الروتيني , كما ذكرنا في بقية القواعد والواجبات , وانتهت إلى خطبة روتينية باهتة لا علاقة لها بما يجري في القرية أو المدينة أو في الوطن أو ما تتعرض له الأمة من أخطار!!! , بل هي كلمات مكررة ومحفوظة عن الجنة والنار وما جاء في الكتب الصفراء التي معظمها من الإسرائيليات, ولا يحصل أثناء هذا الاجتماع أيّ حوار أو نقاش , بل إن الكثير من الحضور يأتون بعد أن تكون خطبة الإمام قد انتهت أو أوشكت على الانتهاء , وترى بعض الحضور يقوم ليصلّي ركعتين تحية المسجد أثناء خطبة الإمام كأنه يقول للأمام لا علاقة لي بخطابك !!! إذ لا يمكن أداء الصلاة وسماع خطبة الإمام في آن واحد , فما جعل الله للإنسان من قلبين في جوفه !!ممّا جعل تنفيذ هذه الشعيرة الهامة حتى بهذه الطريقة الباهتة الروتينية التي انتهت إلها أخيرا في آخر هذا الزمن , غير منفذة بالطريقة السليمة.

إن هذه القاعدة الرائعة في رسالة الإسلام لو نفّذت تنفيذا صحيحا بأن نجعل منها مؤتمرا مصغّرا في كل حيّ من أحياء المسلمين يناقشون مشاكل حيّهم ويتدبّرون أمورهم كما كان يفعل المسلمون الأوائل عند انبثاق الرسالة , لكان ذلك الوسيلة الرّائعة المبهرة لتقدم الحيّ الذي يقيمون به , وبتقدم الأحياء يتقدم المجتمع بأكمله , فمتى يا ترى نفيق إلى ما في هذه الرسالة من أنوار ونقوم بتنفيذها التنفيذ الصحيح المطلوب؟؟؟

من الذكريات الرائعة التي لا أنساها أبدا , هي أني كنت في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن الماضي أقيم بمنطقة الدقّي لقربها من جامعة القاهرة حيث كنت أدرس الحقوق , فكانت هناك ساحة في هذه المنطقة اتخذها الناس مسجدا لصلاة الجمعة , وكان إمام هذه الصلاة هو أحد سكان المنطقة , الدكتور السّبكي , فكان هذا الرجل الفاضل المبارك العظيم , ينفذ المقصود من صلاة الجمعة بكل أبعادها وأعماقها , فكان بعد أن يذكر الله ويحمده يبتدئ في الكلام باللهجة العادية التي يفهمها كل الحاضرين بما فيهم العامة والبسطاء فيقول مثلا : - اليوم وأنا في طريقي إليكم شاهدت كوما من الزبالة في الطريق , وهذا أمر يسيء إلى حينا , وعلينا أن نناقشه سويّا , فيا ليت من وقع منهم هذا الأمر يقوموا ويعتذروا لأهل الحيّ ويتوبوا عن مثل هذه الأفعال , ثُم هل هناك في الحاضرين من له علاقة بشؤون النظافة فيدلنا عن الكيفية للتخلص من مثل هذه الأوساخ, إذا وجدت , بالسرعة اللازمة , ويقوم النقاش بين الحاضرين في هذا الشأن عن نظافة الشارع والحي والبيت والمدينة والوطن الإسلامي, حتى يتفقوا على طريقة معينة لمعالجة مثل هذه الأمور ليقوموا بتنفيذها , وفي النهاية تقام الصلاة فيصلّي ذلك الأمام الفاضل العظيم ركعتي الجمعة بالحاضرين , وقد نفّذ المقصود بصلاة الجمعة على أحسن الوجوه . وقد يطرح في بعض الجمع موضوعا وطنيا , وأحيانا موضوعا قوميّا , وهكذا بنفس ذلك الأسلوب البسيط الذي يستطيع أن يستوعبه كل الحاضرين.

وفي هذا السبيل كتبت أكثر من مرة رسالة إلى خطباء الجمعة تشير لبعض النقاط التي يجب أخذها في الاعتبار بهذا الخصوص, تم توزيعها بالتعاون مع بعض الأصدقاء, جاء فيها ما يلي :-

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

صاحب الفضيلة الداعية الإسلامي وخطيب الجمعة

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد..

سيدي الفاضل المحترم

إن البحث الدقيق عن السبب الأساسي في هذه الانهيارات المتلاحقة التي أصابت وتصيب مجتمعاتنا وامتنا , هو الذي سوف يؤدي بنا إلى علاجها , لا شك أننا نعاني أمراضا كثيرة , ولكننا إذا تأملنا بعمق فإننا سنهتدي إلى أن هناك مرضا جوهريا حلّ بهذه الأمة كان السبب في كل هذه الإمراض , هذا المرض الخطير , في الرأي الراجح , هو اختفاء الصدق في حياتنا , وكاتب هذه الرسالة يعتقد اعتقادا جازما أن بداية النهضة والتقدم في عالم الغرب كانت يوم أن اكتشفوا أن الكذب هو أساس كل الأمراض التي كانت متفشّية في مجتمعاتهم , وبالتالي حاربوا هذه الآفة بكل القوة والشدة والحسم والتصميم . لقد تعرف صاحبنا على أوروبا , ومن بعد ذلك على أمريكا منذ سنة 1964 وقد لفت نظره اهتمامهم بالصدق , في حياتهم الاجتماعية , وأنهم يمكن أن يغفروا للإنسان جميع أخطائه ما عدا أن يثبت عليه الكذب ولو لمرة واحدة . وهو يذكر بهذا الخصوص أن الرئيس نكسن عندما اجبر على الاستقالة من منصبه كرئيس لأمريكا , حاول الرجوع إلى مهنته السابقة كمحام وطلب إعادة قيد اسمه في جدول المحامين , ولكن نقابة المحامين الأمريكية قد رفضت طلبه , لا بسبب تورطه في قضية < ووتر قيت> ولكن بسبب كذبه عندما حقق معه بالخصوص

والذي أذهل صاحبنا ما لاحظه قي مجتمعاتنا العربية والإسلامية من استهانة بموضوع الكذب, فالكل يكذب على الكل , بدون حرج أو خجل , ومن هذا الوضع استشرى النفاق والغش والتدليس والرشوة والنصب ...إلى آخر القائمة المتوالدة من آفة الكذب , وانك لترى الوالد لا يخجل من أن يكذب أمام ابنه بان يشير لابنه عندما يطلبه أحدهم في الهاتف , بأنه غير موجود!! ومن هنا يتعلم الابن الكذب وألاّ حرج في إظهار غير الحقيقة , وهكذا يسري هذا الداء الخطير المدمر بجميع ملاحقه في جسم العائلة ثم المجتمع والأمة , الأمر الذي يؤدي بها إلي الإحباط والتردي والهوان , ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن هذه الأفكار جعلت صاحبنا يكتب ويتحدث أكثر من مرة , انه لا بد لعلاج هذه الآفة الخطيرة المدمرة , من الرجوع إلى مبدأ اليوم الكامل من الصباح إلى المساء , للتلاميذ في المدرسة , بمعلمين أكفاء بمرتبات عالية تفوق كل مرتبات الدولة , يهتمون بمعاني التربية , فالتلميذ تكون كل مذكراته وهواياته وألعابه في المدرسة كل ساعات النهار ,ويكون رجوعه للبيت للنوم فقط, وبذلك يمكن تخليص الجيل القادم من هذا المرض الخطير المستشري في آبائهم وأمهاتهم وفي هذه البيئة المريضة , الكذب وملاحقه . هذا يمكن أن يكون علاجا طويل المدى إذا آمنت به وطبقته وزارات التربية والتعليم في العالم العربي , أما العلاج الذي يمكن أن نبدأ به من هذا اليوم فيمكن أن يكون في يدكم يا سيدي عن طريق خطبة الجمعة, ففي العالم العربي والإسلامي هناك مسجد في كل حي من الأحياء في طول البلاد العربية والإسلامية وعرضها , تلقى فيه خطبة الجمعة , وهناك حوالي اثنين وخمسين جمعة في السنة , فإذا استطاع رجال الفكر والساعون إلى الإصلاح أن يضعوا كتيبا به ثلاثون أو أربعون خطبة متعلقة بالصدق والأمانة وازدراء الكذب والكذابين , أو على الأقل وضع الخطوط الرئيسية لهذه المواضيع في هذا الكتيب المنشود , ثم بذل كل الوسائل والمؤثرات لإقناع خطباء الجمعة باتخاذ هذا النهج في خطبهم كل جمعة , باعتباره العلاج الحقيقي لأدواء هذه الأمة من أمراضها المستعصية التي تكاد تفتك بها وتجعلها معرة بين شعوب الأرض . إن ما نسمعه من بعض خطباء الجمعة في هذه الأيام والأسابيع , مع الأسف الشديد هو كلام مكرر , أكثره من الإسرائيليات التي كتبت في وقت تدهور هذه الأمة وانحطاطها بعد اجتياح المغول والتتار هذه المنطقة والانحدار بها في مستنقع الخمول والشرود والتردي والتمسك بتوافه الأمور , فصارت كل اهتماماتنا ذقونا طويلة , ونقابا يلف جسم المرأة ويجعلها مثل الخيمة التي تمشي في الشوارع , باعتبارها عورة , يا للعجب العجاب!!! مع أن الذقون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الأبرار كان لأسباب معروفة غير قائمة في عهدنا الآن وأن أبا جهل اكبر عدو لصاحب الرسالة والإسلام كان بذقن طويلة , ربما أطول من أصحاب ذقون اليوم !!! وان النقاب لم يكن قائما في عهد الرسالة بهذه الطريقة التي أصبحت الوسيلة لبعض النساء المنحرفات لتغطية تصرفاتهن المنحرفة !!! ولا حول ولا قوة إلا بالله

الشيء العجيب في مجتمعنا العربي من أقصاه إلي أقصاه ترى الناس يتكلمون في جميع محاسن الأخلاق الحميدة وقليلا ما يذكرون أهمية الصدق القصوى في حياتهم ومجتمعاتهم , ويتكلمون في جميع المساوئ التي تصيب المجتمعات وتدمّرها وقليلا ما يذكرون ظاهرة الكذب وما يندرج تحته من المساوئ والآفات التي تسود المنطقة العربية والإسلامية في جميع أرجائها, فأنت تسمع إلى خطباء المساجد وأحاديث الناس في جلساتهم كما تقرأ كتابات المفكرين والرواد فلا تجد في كل ذلك الأهمية التي يستحقها هذا الموضوع , مع أن القرءان الذي هو دستورنا قد حثّ في اغلب سوره وآياته على الصدق وأدان الكذب والكذابين بكل شدة وجعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار , وان الرسول صل الله عليه وسلم عندما سأله أصحابه عن المعاصي, من سرقة وقتل وزنى وغير ذلك من المعاصي , فاقر الرسول بتعرض المؤمن لها كبقية البشر , ولكنه عندما سئل عن الكذب قام من مجلسه واقفا , وقال إن المؤمن ومن هو مؤمن بحق لا يمكن أن يكذب , لا يمكن أن يكذب , وكررها مرتين . والرسول صل الله عليه وسلم محق في ذلك كل الحق , إذ أن المنطق العقلي يقرر بوضوح كامل أن شبهة الكذب لا تتفق مع الإيمان من جميع الوجوه , ذلك أن شبهة الكذب ستجعل جميع الرسالات السماوية وكل ما تضمنته من مبادئ خلقية وكتب مقدسة محل نظر , بل إن الأمر سوف يمتد إلي الشك في كل الأسس التي قامت عليها إنسانية الإنسان. أملنا ورجاؤنا أن تكون خطبة الجمعة الوسيلة العظمى لهداية عباد الله إلي نبذ الكذب وملاحقه بصفة نهائية , وتبني الصدق في حياتهم فهو الطريق الأساسي لصلاح أحوالهم وصلاح أمتهم دنيا وآخره , فالنجاة في الصدق النجاة في الصدق

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم في الله

القاهرة 18/6/2005

كل الرجاء وكل الأمل يا سيدي هو أن توزّعوا صورا من هذه الرسالة على زملائكم أصحاب الفضيلة خطباء الجمعة إذا رأيتم أن في ذلك صلاحا لهذه الأمة ولكم ثواب الساعين إلي الخير والصلاح .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السيد المحترم صاحب الفضيلة خطيب الجمعة أعزّه الله وأكرمه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ....

 

إن صلاة الجمعة في حقيقة الأمر هي المؤتمر المصغّر الذي شرعه الله للمسلمين لإقامته في كل حيّ من أحياء الأرض الإسلامية , وهو في جوهره الوسيلة الربانية التي أرادها الخالق لالتقاء عباده المؤمنين ذكورا وإناثا ليتدارسوا أحوالهم ويناقشوا مشاكل حيّهم ومدينتهم ووطنهم في كل أسبوع من أيام السنة وليحث بعضهم بعضا إلى الخير والصلاح , وكان يمكن أن تكون هذه المناسبة الأداة الفذة والوسيلة الرائعة لخلق مجتمع تتمثل فيه تلك الكلمة المضيئة التي جاءت في القرآن الكريم ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ...) وذلك إذا أدركنا المقصود الجوهري من هذه المناسبة وكيف نحقق أغراضها ومراميها. ولكن الذي يبدو أن الكثير من خطبائنا الأفاضل قد فاتهم إدراك الاتجاه الصحيح إلى ذلك الهدف وتنكبوا الطريق السليم لتحقيق تلك الأغراض النبيلة التي استهدفها المشرع في هذا اللقاء الأسبوعي من حوار وتوجيه وإرشاد, ووقعوا في أخطاء متكررة, قد يكون أساسها التقليد والعادة المتوارثة.

من تلك الأخطاء الفاحشة المتكررة كل أسبوع في هذه المناسبة الكريمة:

الصياح والصراخ في إلقاء الخطبة , فخطيب الجمعة يشعرك كأنه في معركة وميدان قتال , وقد فاته أن لكل مقام مقال , وأن هذه المناسبة هي للإرشاد والتهذيب والموعظة ومغالبة الخطأ والزلل , وذلك لا يمكن تحقيقه إلا بالحديث الليّن المهذب وليس بالصياح والصراخ .

إن إمام الجمعة يطيل في الخطبة وفي الصلاة , فالخطبة تستمر إلى حوالي الساعة بدون أي حوار أو نقاش, كما أن الموضوع المطروح قد لا يتعدى شرحه للمصلّين أكثر من عشر دقائق على الأكثر , وعند الصلاة ترى الإمام يطيل في الركوع والسجود بطريقة غير عادية , وقد فاته أن الذين يأتون لصلاة الجمعة فيهم المريض والشيخ الكبير والمرأة الحامل ومن لا يستطيع أن يمسك وضوءه لمدة طويلة , والإمام هنا يتجاهل ما أوصانا به النبي صل الله عليه وسلم بأن نسير بسير ضعفائنا , رحمة بهم وعطفا عليهم .

إن كثيرا من خطباء الجمعة الأفاضل تراهم في غمرة حماسهم ينزلون لعناتهم وسبابهم على غير المسلمين وذلك عن طريق مكبرات الصوت الذي يجلجل في أنحاء المنطقة التي بها المسجد , وقد تناسى هذا الإمام أن المنطقة بها جيران من غير المسلمين الذين لا يجب إثارة عداوتهم , بل العكس من ذلك هو المطلوب حسب إرشادات القرآن الكريم .

إن خطبة الجمعة في أغلب الأحيان وأغلب المناطق هي حديث مكرر عن الجنة والنار وقصص وخرافات الدراويش وغير ذلك ممّا في الكتب الصفراء حيث أكثرها من الإسرائيليات التي أتى بها عصر الانحطاط والتردي أثناء انهيارات الحكم العثماني , وذلك كلّه بعيد عن جوهر الإسلام وتشريعاته الغرّاء .

إننا إذا أردنا أن نحقق أغراض الإسلام وأهدافه النبيلة في هذه المناسبة الأسبوعية فلا بدّ لنا من تفادي تلك السلبيات السابق الإشارة إليها وانتهاج الطريق إلى الأساسيات الرائعة التي جاء بها الإسلام والحث عليها باستمرار وفي كل خطبنا وأقوالنا , تلك التي تعيد المجتمع إلى صوابه وتهذّبه وتدفعه إلى الخير والصلاح , ومن ذلك :...

- موضوع السلام , وكيف أن هذه العقيدة سمّيت بالإسلام لكونها تدعو إلى السلام الذي يتطلع إليه بشدّة المجتمع البشري بأجمعه خصوصا في هذه الأيام العصيبة , وكيف أن تحية أتباع هذه العقيدة المتداولة في كل مكان هي السلام عليكم , وكيف أن السلام مردد خمس مرات في اليوم في الصلوات الخمس , ولا شك أن هذا التوجه له تأثيره الفعّال في توجيه المجتمع الإنساني والبشرية جمعاء نحو السلام العادل وتحقيق الأخوة البشرية .

- الصدق وأهمية الصدق في حياة الناس والبشرية جمعاء , والإشارة إلى حديث الرسول صل الله عليه وسلم حينما سئل عن المعاصي من سرقة وزنى وقتل فأقرّ النبي بإمكانية وقوع المؤمن فيها , ولكن عندما سئل عن الكذب قام من مجلسه واقفا وقال إن المؤمن لا يمكن أن يكذب , لا يمكن أن يكذب , وكررها مرّتين . والواقع أن منطقتنا العربية والإسلامية لا يمكن أن ينصلح حالها إلا إذا جنّدت كل إمكانياتها وقواها لمحاربة آفة الكذب وفروعه من غش ونصب وتدليس ونفاق...إلى آخر القائمة التي هي أساس كل الشرور في المجتمع البشري بأجمعه .

- النظافة, ولماذا ألزم التشريع الإسلامي أتباعه بالوضوء , والغسل من الجنابة , إنها دعوة أصيلة لها أعماقها التي يجب أن يندرج تحتها نظافة المنزل والشارع والحيّ والمدينة , وما يترتب عن ذلك من آثار جميلة ورائعة في نفوس المجتمعات .

النظام , والفروق الجوهرية بين الإنسان المنظم والإنسان الفوضوي, والمجتمع المنظم والمجتمع الذي تسوده الفوضى , والآثار الخطيرة المترتبة عن ذلك .

- الانضباط , وما يترتب عن الانضباط من سهولة يسر في تسيير الأمور وحوادثها , مع التأكيد على أن الخروج عن الانضباط سوف يؤدي حتما إلى الكثير من الارتباكات والمشاكل .

الوفاء بالعهد , مع التذكير بأن ماساتنا الكبرى في هذه المنطقة هي الاستهتار بالعهود , فلا تكاد تجد أنسانا يوفي بعهده , وخصوصا فيما يتعلق بالمواعيد فترى الناس لا يخجلون ولا حتى يعتذرون عند أخلالهم بتعهداتهم ومواعيدهم , وأن هذه الآفة قد خلقت في مجتمعاتنا الانكسار والتردّي .

هذه بعض المسائل التي يتحتم ذكرها والإشارة إليها باستمرار في خطبة الجمعة , ولا شك أن للإخوة الأفاضل أئمّة المساجد مسائل أخرى ممّا جاء في القرآن الكريم يمكن تناولها بالطريقة التي يرونها . وبالله التوفيق والسداد .

والرجاء أيها الأخ الكريم إذا ما رأيتم أن ما جاء في هذه الورقة الخير والصلاح أن توزعوا صورا منها على زملائكم ولكم الأجر والثواب . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

القاهرة 20-11-2007

 

 

 

الزكاة

 

 

 

فإذا وصلنا إلى المبدأ الثالث الزكاة نجد أن هذه القاعدة تحقق الخط الإنساني الرائع بإلزام أصحاب رؤوس الأموال بأداء أتنين ونصف في المائة من هذه الأموال سواء كانت سائلة أو ثابتة في كل سنة .

والملاحظ هنا أن الزكاة مفروضة على رأس المال وليس على الدخل فقط, وفي ذلك ما فيه من عمق في كيفية توزيع الثروة على عامة الناس , فهي تحدّ في الواقع من تكديس الأموال واكتنازها عند الأغنياء .

والسؤال الذي يجب طرحه هنا , هو كيفيّة توزيع هذه الزكاة , فقد جرت العادة في توزيع أموال الزكاة والصدقات على الفقراء والمساكين , كل واحد حسب تقديره واجتهاده , وذلك وفق فهم الناس لما جاء في الآية القرآنية الكريمة ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ) . والسؤال في هذا الموضوع كيف تصل الزكاة والصدقة إلى كل هؤلاء بالطرق السليمة التي تؤدّي إلى هذه الأغراض النبيلة التي هي في خير المجتمع بل والبشرية جمعاء خصوصا في هذا العصر الذي نعيشه ؟؟؟

هنا يبرز لنا ذلك المثل الصيني الذي يقول لا تعطني سمكة بل أعطني صنارة وعلّمني كيف أصطاد السمك , أي أن الطريقة السليمة والمثلى في تحقيق أغراض أموال الزكاة والصدقات وهو إرشاد المجتمع إلى الطرق المجدية لاستخراج كنوز أوطانهم , وهذا لن يتحقق إلا عن طريق التعليم , والتعليم بجميع فروعه وذلك بأن نبني ملايين المدارس الداخلية والخارجية ونوظف أرقى الكوادر من المعلّمين بمرتبات عالية ومغرية ونأخذ كل أطفال المجتمع ونقوم بتعليمهم وتربيتهم التربية الصحيحة التي كانوا يفتقدونها في البيئة التي كانوا يعيشون فيها , فمن يستطيع أن يتقدم في التعليم حتى السنوات العليا نتيح له ذلك , ومن يتعثر في دراسته نفسح له مجال التدريب المهني على أعلى المستويات , والمجتمع في أمسّ الحاجة إلى هذا الحقل من التعليم , أي التعليم المهني الراقي الذي اتخذ على أصوله وتقاليده .

وهنا يجب ألاّ ننسى أن بعض الفقراء إنما كان فقرهم هو مسألة مفتعلة هي نتيجة الكسل واللامبالاة والتخلّف الخلقي , فعلينا أن ننتبه إلى ذلك ولا نشجع مثل هذه التصرفات , بل يجب أن يعالج هذا الأمر بالطرق المناسبة, مع العناية القصوى بأولئك الفقراء الذين كان فقرهم نتيجة فقدان العائل أو مرضه أو غيابه في السجون والمعتقلات.

إن الذي يجب أن يكون مفهوما ومعروفا لجميع الناس أن موقف الأغنياء الذين يحجمون عن أداء واجب الزكاة والذين يتهربون ويتجاهلون الاعتبارات الإنسانية التي تحتّم على الأغنياء القيام بالنجدة والتبرع بمالهم حين يكون الالتزام قائما في هذا الشأن , إنما مواقفهم هذه سوف تؤدّي حتما إلى الإساءة إليهم هم أنفسهم قبل غيرهم , فأبناء الفقراء الذين لا يجدون تعليما جيّدا وتربية هادفة يصبحون في يوم من الأيام كالسوس الذي ينخر في كيان البيئة , ويخلق الارتباك والفوضى في كيان المجتمع وبالتالي لابدّ أن يصيب هذا الخلل والارتباك أصحاب الأموال أنفسهم إلى أبعد الحدود . إن هذا الإرهاب والعنف والجرائم المختلفة من قتل وسرقة وغشّ وتدليس إنما هي نتيجة حتميّة لأناس افتقدوا أصول التربية السليمة والتوجيه المستنير.

إن كثيرا من المفكرين وعلماء النفس يرجعون التركيبة النفسية والخلقية في الإنسان إلى ثلاثة أسس جوهرية, هي الوراثة والبيئة والتربية , وإن عمّهم الاختلاف في مدى أهمية كل أساس من هذه الأسس , أمّا موضوع الوراثة فقد أعترض عليه بعض المفكرين مستندين على أن المشاهد أن البعض من أبناء الأشرار قد كانوا من أحسن الناس خلقا واستقامة , والعكس بالعكس . أمّا موضوع البيئة فقد دلّل المعترضون أن هذا الأساس محل نظر أيضا , فقد شهد التاريخ أن البعض من المصلحين والذين كان لهم آثار طيبة في مجتمعاتهم كانوا قد خرجوا من بيئة متخلفة أو غير سليمة . يبقى الأساس الثالث وهو التربية , فالاعتقاد السائد أن التربية السليمة التي تتم بمربّين أفذاذ قد تخصصوا في هذا المجال , وفي أجواء بعيدة عن البيئة غير السليمة , سوف تنتج بالتأكيد ومن غير شك عناصر يمكن أن تكون صالحة ومفيدة لمجتمعاتها , وعليه فإننا طالما نادينا بأن يكون تواجد التلميذ في المدرسة على أساس اليوم الكامل , فيكون جميع نشاط التلميذ في مدرسته , مذاكرة وهويات وألعابا إلى غير ذلك , ويكون ذلك تحت إشراف ذلك المدرس الذي قيل عنه , كاد المعلم أن يكون رسولا , وبالتالي عندما يرجع التلميذ إلى بيته يكن قد قلّ مجال العدوى من الوراثة أو البيئة الفاسدة , فالبيت يستقبله وقد قرب موعد التلميذ للنوم. ومما لا شك فيه أن تهيئة مثل هذه المدارس سواء كانت داخلية أو خارجية وتوفير المربين العظام يحتاج إلى التمويل الضخم الذي يمكن توفيره عن طريق الزكاة أذا أمكن تنظيمها والإصرار على الالتزام بها على الجميع . هذا وإن المدرسة التي نقصدها هي تلك المدرسة التي تحتوي على الباحات الواسعة والتي تتوافر فيها جميع مجالات الثقافة والفن والرياضة من مكتبات وحجرات للموسيقى والرسم والنحت إلى غير ذلك من المجالات الثقافية والفنية والرياضية.

أمّا المدرّس أو المربّي الذي نقصده فهو ذلك الإنسان الذي وهب نفسه لهذه المهمة الخطيرة , وبالتالي يجب أن ينظر إليه كأعظم إنسان في المجتمع لمهمته التي هي أخطر وأعظم من مهمة الوزير و حتى رئيس الوزراء أو أي مسئول آخر في المجتمع , ولكي ندلل على ما نذهب إليه في هذا الخصوص فلنقارن بين مهمة المربي وبين مهمة الوزير أو الطبيب والمهندس , فالوزير في رأينا لا يستطيع أن يقوم بمهمته في مجتمع كانت خلاياه يسودها الكذب والغش والتدليس والرشوة , فالوزير في هذا الجوّ المفعم بالمفاسد لا يمكن , مهما بذل من جهد , أن يأتي بنتيجة مفيدة وصالحة لمجتمعه , أمّا الطبيب فإنه يعالج جسم الإنسان ولا تصل مهمته إلى علاج وجدان الإنسان وعقله وخلقه , أمّا المهندس فإنه يبني المباني والقصور ويشقّ الطرق ويقيم المنشآت , وأين هذا من ذلك الذي يبني العقل والوجدان والخلق الرفيع ويغرس في النفوس القيم والمبادئ...... الذي يبني الخليّة الصلبة الصامدة الهادفة في أيّ مجتمع من المجتمعات . أن الكارثة الحقيقية والطامة الكبرى في مجتمعاتنا والتي يجب مراجعة موضوعها, يوم أن قالوا.... كليات القمة!!! ..يقصدون كليات الطب والهندسة , وقد فاتهم أن كلية قمة القمم هي كلية التربية والتعليم, تلك الكلية التي توفّر ذلك الإنسان الذي يبني الخلية البشرية المثلى في المجتمع , أو كلية الآداب التي يخرج منها الأدباء والصحفيون الذين يوجهون المجتمعات والشعوب , أو كلية الحقوق التي يخرج منها القضاة والمحامون وواضعو الدساتير والقوانين , حيث عن طريق مجهودهم وتوجيهاتهم تسير المجتمعات . هناك نقطة خطيرة جدا لما يجري في مجتمعاتنا بالنسبة لمعاملة المعلم والمدرسين بصفة عامة ,خصوصا لما يجري في مصر , وهي اكبر وأعظم دولة في المنطقة, حيث أن هذا المربّي الذي نطمع أن يربّي لنا أبناءنا قد انتزعنا منه الثقة ونعامله بالريبة والشك في أمانته وصدقه, فقد جرت العادة في هذه البلاد على ألا يؤخذ بتقارير المعلمين والمدرسين في تقدير التلميذ والطالب أو إذا أخذ بها فبصفة ثانويّة هزيلة, وان التقدير كل التقدير فهو للامتحان التحريري والشفوي الذي تجريه وزارة التربية للتلميذ والطالب في سرية كاملة وبدون معرفة واطلاع معلم ومدرس ذلك التلميذ أو الطالب, أي كأننا نقول لهؤلاء المربّين بكل الجلاء والوقاحة, انتم لستم محل ثقتنا, فهل يمكن أن يربّي ويخلق رجالا يعتمد عليهم ذلك الإنسان الذي انتزعنا منه الثقة وأصبحت أمانته وإخلاصه محل نظر؟؟؟!!! إن أول خطوة في أصول التربية هي إعطاء الثقة الكاملة للمعلم والمدرس فعن طريق هذه الثقة يشعر المربّي بالمسئولية الملقاة على عاتقه وبالتالي يعمل كل ما في وسعه ليكون محل هذه الثقة واستحقاقها , قد يحدث أن يكون بين هؤلاء المربين من يستغل هذه الثقة استغلالا سيّئا , ولكن لن يكون ذلك إلاّ للنزر اليسير الذي سوف لن يفسد القاعدة . إن احد الطرق المثلى بهذا الخصوص, في رأينا, أن يفتح ملف لكل تلميذ ابتداء من دخوله الروضة يدوّن فيه مدير الروضة ملاحظاته عن هذا التلميذ, وعندما ينتقل إلى الابتدائية, ينتقل هذا الملف معه حيث يدون فيه معلّموا هذا التلميذ درجاته وملاحظاتهم أيضا, وهكذا في الثانوية, وسيكون توجيه الطالب وإرشاده إلى إحدى الكليات بناء على هذه الملاحظات والتقارير وعندما يتخرج هذا الطالب من الجامعة يكون هذا الملف المرشد الذي سوف يساعد في بيان مميزات هذا الطالب وإمكانياته في خروجه للحياة العملية , وبهذا نكون قد أعطينا للمعلم والأستاذ حقه في الرسالة الذي كلفه المجتمع بها . وبهذا الخصوص أيضا , وهو إعطاء الثقة للناس وردود أفعالها المجدية الفعّلة , أذكر أني عشت فترات طويلة بجنيف في سويسرا وقد لاحظت كيف تربّي الإدارة السويسرية مواطنيها على الثقة بهم , ومن ذلك أنك تجد في كل منطقة أو شارع صندوقا زجاجيا صغيرا وليس به باب مغلق وبه عدد من صحيفة اليوم وفي ركن منه شق صغير لوضع عملة الفرنك أو الفرنكين ثمن الصحيفة , إنه في إمكانك أن تأخذ الصحيفة بدون أن تضع الفرنكين ثمن الصحيفة , فذلك الصندوق ليس عليه أي رقابة , ولكن في طول معايشتي في هذه البلاد العظيمة لم ألاحظ أن أي إنسان قد أساء إلى هذه الثقة, فالكل يضع العملة المناسبة في المكان المخصص لذلك ثم يسحب نسخة واحدة من الصحيفة, مع إمكانه سحب أكثر من نسخة !! وملاحظة أخرى بالخصوص وهي المتعلقة باستعمال المواصلات في سويسرا , حيث انك عندما تستعمل الباص لا تجد من يقطع لك تذكرة هذه المواصلة أو يراقب ركوبك أو نزولك وإنما يوجد في كل محطات هذه المواصلة ماكينة حيث تضع النقد المطلوب وتخرج لك التذكرة حسب طلبك , تذكرة لمدة ساعة مواصلة أو لمدة أسبوع أو لمدة شهر كامل , وأذكر أني قد استعملت هذه المواصلات لمدة زادت عن العشرين سنة لم يحصل أن يفاجأ الركاب بالمفتشين عن التذاكر إلا مرتين أو ثلاث في طول هذه المدة !! وهذه دلالة أخري على إعطاء المواطن الثقة وأثر ذلك في تربية المواطنين .

أن هذا الحديث يدفعنا إلى نقطة في غاية الأهمية بالنسبة إلى صلاح المجتمع البشري ووحدته وسلامه وهي أن العالم الغربي المتقدم ماديّا والذي يعاني في الوقت نفسه الصراعات والحروب المتعددة في هذا القرن والقرن الذي قبله , كما يعاني العنف والإرهاب الآتي من هنا وهناك من هذا الشباب الجامح الذي فقد الثقة في المستقبل , أقول لو أن هذا العالم الغربي خصّص بعض إمكانياته المادية التي تعدّ بآلاف المليارات في بناء المدارس في البلاد المتخلّفة التي يسمونها بالنامية لأدّى ذلك إلى توازن الأوضاع في العالم وشعر الناس في الشرق والغرب والشمال والجنوب بالإخوّة البشرية وأزال أو على الأقل قلّل من ذلك العنف والشرور التي تسود مجتمعاتنا اليوم .

إن هذه الأفكار والمبادئ التي آمنت بها باستمرار قد دفعتني في الثمانينات من القرن الماضي أن أكتب رسالة بالخصوص إلى ذلك الرجل الذكي العظيم , بيل جيتس , صاحب ميكروسوفت , قد يكون من الأوفق تسجيلها : السيد المحترم بيل جيتس

تحية

لا ادري إن كانت هذه الرسالة ستصل إليكم في زحمة أعمالكم ومشاغلتكم ومشاريعكم الضخمة المبهرة , أو حتى تلفت انتباهكم لما جاء بها مع دوي الأحداث الضخمة المتلاحقة والمنافسات الملتهبة التي تكاد تقطع أنفاس الجميع . ومع ذلك أجازف بالكتابة إليكم , ربما لان الموضوع الذي أنا بصدد طرحه يحتاج إلى وقفة من رجال أمثالكم اشتهروا بالعبقرية والمغامرة الجادة لاقتحام المستقبل ودفعه إلى أعلي ما يسمو إليه الإنسان , ثم إن هذا النجاح الباهر الذي حققتموه في سبيل المعرفة وانتشارها في أرجاء الأرض بمجهودكم وعبقريتكم عن طريق الكمبيوتر قد شجعني على أن اطرح هذه الفكرة عليكم انتم بالذات .

ولعل الذي أوحى إلى بهذه المبادرة هو ذلك التبرع الكبير ( مليار دولار) الذي تقدم به أحد أغنياء ولاية تكساس إلى هيئة الأمم المتحدة وما ترتب عليه من نقد من بعض أغنياء أمريكا باعتبار أن هذه الأموال الضخمة المتبرع بها كان من الممكن أن تفتح عشرات المصانع والمشاريع التي سوف تستوعب آلاف العاطلين وتزيد في إنتاج البشرية بذل أن تذهب هذه الأموال هباء منثورا للجائعين في أفريقيا وجنوب شرقي آسيا , وهي إذا حلت مشكلة الجوع في هذه المناطق لهذه السنة أو السنة التي تليها فهي لن تحل المشكلة نهائيا , واعتقد انه لا أحد يستطيع أن يكابر بان هذا النقد بالرغم من قسوته الحادة المؤلمة , له وجاهته واعتباره .

هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى فان حضارة القرن العشرين التي اخترقت حجب التاريخ وأسقطت إلى حد بعيد الحواجز الجغرافية بين البشر هي بسبيل ولادة حضارة القرن الواحد والعشرين التي ستدفع الدول والشعوب إلى طريق الوحدة البشرية وربما استطاع القرن القادم إسقاط التقسيم الدولي ودفع المجتمع البشري حثيثا إلي الترابط والتكافل والتكامل لتكوين الأسرة الإنسانية الواحدة .

إن هذه المعاني السامية والأهداف النبيلة هي التي أخرجت الفكرة التي أنا بصدد تقديمها إليكم والتي تتلخص في محاولة الإجابة عن ذلك السؤال الذي يتردد في أعماق الكثير من النفوس العظيمة , وهو كيف أستطيع أن أشارك بأموالي أو بمجهودي في سبيل تقدم البشرية خطوة إلى الأمام . والواقع انه بالرغم من وجود النية الصادقة والمخلصة عند الكثيرين للمشاركة في سبيل التقدم فهناك دائما الحيرة والتساؤل حول أحسن السبل واجداها في هذا السبيل , ومما لا شك فيه أن الناس لهم الحق في ترددهم حيال هذا الموضوع خشية بعثرة أموالهم فيما لا يجدي .


 

إن الإجابة الحاسمة والقاطعة عن ذلك التساؤل في رأيي هو أن تقدم البشرية لا يمكن أن ينجح إلا عن طريق العلم والمعرفة فعن طريق المدرسة والمعلم يمكن إزالة الفقر والجوع والمرض والتخلف التي هي الأدوات السرية للأحقاد والكراهية والحروب . وهنا يبرز ذلك المثل الصيني المشهور الذي يقول : " بدل إن تعطيني سمكة أعطني صنارة وعلمني كيف اصطاد السمك " اجل إن الحل الحاسم هو واجب الأقوياء الذين وصلوا إلى التقدم والازدهار عن طريق العلم والمعرفة أن يساعدوا إخوانهم في الإنسانية - الذين حكمت عليهم ظروفهم بالضعف والتخلف - في كيفية الخروج من هذا الوضع المهين للبشرية جمعاء وهذا لن يكون إلا عن طريق العلم والمعرفة .

وعليه فان الفكرة التي أضعها بين أيديكم هي " ثلاثين ألف مدرسة ومؤسسة تعليمية صناعية , أو أكثر من ذلك " توزع بين أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا يختار لها المعلمون والمربون من نفس هذه البلاد المهاجرين في أوروبا وكندا وأمريكا الشمالية حيث سيصل تعدادهم إلي ميئات الآلاف وربما إلى الملايين .

وعليه فان هذا المشروع علاوة على انه سيرفع من مستوى هذه المناطق النامية في العشرين سنة القادمة حيث سيعلم هذه الشعوب كيف يستخرجون الثروات التي في أرضهم وتحت أقدامهم وكيف يستثمرونها فانه سيخفض من أزمة البطالة التي تعاني منها البلاد المتقدمة .

ومما لا شك فيه أن مثل هذا المشروع الضخم سيكون أعظم إنجاز حققته البشرية في القرن الواحد والعشرين , ومع ذلك فهو يحتاج لوضع مخططاته ورسم تفصيلاته إلي عبقرية مثل عبقريتكم وإدارة صارمة مثل إدارتكم , واني واثق كل الثقة إنكم بمجرد الإعلان عنه ستجدون عشرات الآلاف من أغنياء العالم سيشاركونكم نفس الحماس والعطاء .

يجب أن نذكر دائما أن القرن الواحد والعشرين هو قرن الأسرة الإنسانية الواحدة وعلى الذين يؤمنون بهذا الهدف السامي النبيل أن يشرعوا منذ الآن في التمهيد له كل بحسب إمكانياته وظروفه ولعل الخالق قد اختاركم لهذه الرسالة التي هي التكملة للرسالات التي جاء بها الأنبياء والرسل وإنها حقا الدخول إلي التاريخ من أوسع أبوا به .

إن منظمتنا بالرغم من إمكانياتها المتواضعة سوف لن تتأخر في التعاون في هذا السبيل إذا طلب إليها ذلك .

أملنا ورجاؤنا أن نتلقى منكم ما يفيد أنكم تسلمتم هذه الرسالة , مع تمنياتنا لكم بالمزيد من النجاح والتوفيق .

عبد الله شرف الدين جنيف 18-5-1989

< ايفورد >

وقد استجاب هذا الإنسان الرائع العظيم لهذه الدعوة وتبرّع بثلاث مليارات دولارا في سبيل التعليم والعلاج في البلاد النامية , وبعد ذلك بثلاث سنوات تبرع مرة أخرى بعشرين مليارا في نفس هذا السبيل , وسواء أن كان لرسالتنا بعض الأثر في هذه القرارات الإنسانية الرائعة أو لم تكن , وإنما هي الصدف , فإن الذي نحب أن نقوله هو لو أن أغنياء العالم وأخصهم الأغنياء العرب والمسلمين, ساروا سيرة هذا الرجل العظيم لتوافرت آلاف وآلاف المليارات لتحقيق هذه الأغراض النبيلة , ومن تمّ لاختفت الجهالة والعنف والبطالة ولعاش المجتمع البشري في أخوّة وسلام .

ولكي أضرب مثلا لما ذهبت إليه أشير إلى دولة ماليزيا , إن هذه الدولة كانت متخلفة نعاني الجهل والفقر كمثيلاتها في آسيا وأفريقيا حتى حباها الحظ برجل تتمثل فيه روح الإنسانية وعبقريتها هو الدكتور مهاتير محمد ورفاقه فوجّهوا كل الإمكانيات المتوفرة إلى التربية والتعليم , فلم تمض أكثر من عشرين سنة حتى قفزت بلادهم من ذلك التخلف والانحدار إلى قمة التقدم والازدهار حتى أصبح مواطن هذه الدولة معروفا في جميع أنحاء العالم بالإنسان الذي تتمثّل فيه بهاء الإنسانية في روعتها وأخلاقها المميّزة , وأصبح هؤلاء الناس محل التقدير والإعجاب في جميع أنحاء العالم سواء الذين زاروا هذه البلاد أو الذين شاهدوهم في الحجاز أثناء القيام بمناسك الحج , فقد كانوا يمثلون النظافة والنظام وحسن المعاملة بصورة مدهشة رائعة .

إني أعتقد أن كل سكان هذا الكوكب أو على الأقل أكثرهم لا ينقصهم هذا الإحساس والأمل في أن يكون الناس جميعا على هذه الدرجة العالية من الأخلاق الإنسانية الراقية , ولا شك أن الوصول إلى هذا الهدف ليس مستحيل التحقيق إذا وجّه أغنياء هذا الكوكب الاثنين والنصف في المائة من أموالهم كل سنة في هذا السبيل كما هو واجب الزكاة .

الصوم

فإذا أتينا إلى المبدأ الرابع من رسالة الإسلام وهو الصوم فإن ما تستفيد البشرية من هذا المبدأ هو المشاركة الإنسانية في تحمّل آلام الجوع والعطش منذ طلوع الفجر حتى غروب الشمس , ثم المشاركة في فرحة الإفطار عند المغرب , ولا شك ولا ريب أن هذه المشاركة في الحالتين تجعل الناس أكثر قربا من بعضهم بعضا , والواقع فليس هناك مدعاة للتوحيد بين الناس أكثر قوة وتأثيرا من اشتراكهم في مشاعر وأحاسيس واحدة وفي الوقت الواحد , فالأبيض والأسود والذكر والأنثى والغنيّ والفقير والحاكم والمحكوم الكل يشترك في تلك الأحاسيس يوميّا طوال شهر رمضان المعظّم , بل إن تنفيذ هذا المبدأ في أرجاء الأرض شمالها وجنوبه وشرقها وغربها لا شك أنه يؤدّي إلى توحيد البشرية في مشاعرها وبالتالي يقيم روح التعاطف فيما بينها ممّا يجعلها أقرب إلى الوحدة الكاملة , مع إذابة كل عناصر التفرقة وسلبياتها , وفي كل ذلك فيه ما فيه من خير البشرية وصلاحها .

فيما يتعلق بواجب الصوم هناك موضوع في غاية الأهمية والدلالة, وهو لماذا الإصرار الشرعي, عند أكثر الفقهاء, على أن بداية شهر الصوم لا يكون إلاّ بالرؤية , كما جاء في القرآن الكريم من شهد منكم الشهر فليصمه - أي برؤية هلال شهر رمضان , بالرغم من التقدم العلمي وإمكانية معرفة أول الشهر القمري بالحسابات العلمية؟؟؟ الذي يبدو وهذا مجرد اجتهاد شخصي - أن في ذلك حكمة إلهية لم ينتبه إليها الكثير من الناس , وهي أن هناك أقطارا في الكوكب الأرضي يستحيل معها مشاهدة هلال أول الشهر من أمثال القطبين الشمالي والجنوبي , وهذه المناطق تتميّز بالوضع الجليدي المستمرّ طول السنة, ونهاره ستة أشهر وليله ستة أشهر كذلك ممّا قد يتعذر معه الصوم .

ونقطة أخرى بهذا الخصوص, وهي إعفاء المريض والمسافر من واجب الصوم , ولكن ترى ؟ هل هو المسافر والمريض فقط الذي أعفي من هذا الواجب أم أن هناك أناسا آخرين يسري عليهم هذا الإعفاء ؟؟؟

أذكر أني عندما كنت في السنة النهائية في كلية الحقوق وكان أستاذنا في مادة أصول الفقه الشيخ حسين خلآف رحمه الله , وكنا في آخر السنة والامتحانات على الأبواب وفي الوقت نفسه كان شهر الصيام على الأبواب أيضا , فسأل أحد الطلبة ذلك الشيخ الجليل , أن الطالب قد يجد صعوبة بالغة في المذاكرة استعدادا للامتحان مع القيام بواجب الصيام , وهذا الامتحان هو امتحان السنة النهائية في كلية الحقوق, فما العمل ؟؟؟ فكانت الإجابة على هذا التساؤل رائعة ومفيدة ومريحة للغاية , إذ كان ردّ ذلك الشيخ المبارك الجليل , أن بلاغة القرآن الكريم اقتضت ألاّ يذكر ما يمكن أن يكون محل خلاف من حالات الإعفاء المتعدّدة , ولكن ذكر منها السفر والمرض لما يترتب عليهما من ضرر للصائم بسبب الصيام , وعليه يقتضي القياس أنه كلما كان هناك ضرر محقق من الصيام فيمكن تأجيله إلى أيام أخر لا يقوم فيها ذلك الضرر , والقاعدة هنا هي بين الإنسان وضميره , وبالتالي فإن هذا الإعفاء ينسحب على كل حالة يترتب عنها ضرر محقق للصائم .

يذهب أغلب الناس والكثير من الفقهاء إلى أن فريضة الصوم الهدف منها أن يشعر الأغنياء بآلام جوع الفقراء فيدفعهم ذلك إلى التصدق على المساكين والفقراء , وقد يكون هذا الهدف صحيحا من بعض النواحي , ولكن لا يمكن أن يكون الهدف الجوهري من هذه الفريضة , ذلك أن أغلب الصائمين هم من الفقراء , كما أن الصيام يشمل الامتناع عن شرب الماء وعن معاشرة النساء , علاوة عن الامتناع عن الطعام , ممّا يجعل فكرة الهدف المشار إليه محل نظر . فالواقع أن الهدف الجوهري من الصيام ليس حثّ الأغنياء على التفكير في حالة الفقراء فقط , بل الذي يبدو واضحا وأساسيا وجوهريا أن الهدف من ذلك هو أولا : فكرة التضحية في سبيل المبادئ , فالصائم إنما يصوم لله تعالى كما قال الخالق في الحديث القدسي ( الصوم لي وأنا أجازي به ) فهو يتحمل آلام الصوم والصفات العليا التي هي صفات الخالق تتركّز في قلبه وعقله كل ساعات الصوم , وهو ثانيا :- الحثّ على ألاشتراك في الأحاسيس والمشاعر ممّا يقرّب الصائمين بعضهم ببعض ويجعل الأخوّة البشرية حقيقة قائمة لا لبس فيها , فالمشاركة في ألم الجوع عند الصيام والامتناع عما يجب الامتناع عنه وفرحة الإفطار عند المساء والرجوع إلى الحالة الطبيعية واستمرار هذه الحالة لمدة شهر كامل كل سنة هو المقصود الأساسي في هذه الرسالة العظيمة , وإني أعتقد أن جميع علماء النفس في أنحاء الأرض لا يمكن أن ينكروا هذا الهدف وما يؤدي إليه في توحيد البشرية ونزع مساوئ الحقد والكراهية بين الناس . هذا علاوة على أن الصائم عندما يقوم بهذه الفريضة إنما يستجيب إلى دعوة الخالق بذلك المعنى الذي ذكرناه في البند الأول.

ولعله من المفيد أن أذكر ما كتبته في الفصل الثاني من كتابي (مغامرات مخلوق من أيها الناس ) حول الصيام وما يجري في شهر رمضان المبارك في إحدى البلاد العربية هي مدينة طرابلس ليبيا , مما يستحق الذكر بهذه المناسبة العظيمة :

بالنسبة لشهر رمضان المبارك , فقد كان لهذا الشهر في ليبيا وطرابلس بصفة خاصة شنّه ورنّة كما يقول الطرابلسية , إذ يستقبلونه بحفاوة ضخمة واستعدادات رائعة , وبالرغم أن الراديو لم يكن شائعا في ذلك الوقت أي في الثلاثينات من القرن العشرين, للإعلان عن طريقه عن رمضان , فقد كان الحكم الإيطالي يحاول أن يحترم التقاليد الإسلامية فتنطلق أحد وعشرون طلقة من مدفع السرايا يسمعها كل سكان طرابلس والضواحي معلنة دخول رمضان المبارك , في بعض السنوات يتأخر الإعلان عن ثبوت هلال رمضان إلى ساعة متأخرة من الليل حيث يكون اغلب الناس قد اخلدوا إلى النوم , ففي هذه الحالة يقوم بعض الجيران بالتطوع للاتصال ببيوت جيرانهم وإبلاغهم بثبوت الرؤيا , الأمر الذي يدل دلالة واضحة جميلة على مدى الترابط والتكافل بين الناس في ذلك الوقت الجميل, وكان من أشهر الأشخاص الذي يقوم بهذه المهمة الجليلة في منطقة زاوية الدهماني هو الحاج محمد الخافي , كان صاحب مقهى متواضع في حيّ زاوية الدهماني , رحمه الله وأثابه على أفعاله الجليلة. كان هذا الطفل أو الصبي يفرح فرحا غامرا بشهر رمضان المبارك لما ينبعث فيه من بهجة وأنوار وسهرات وتبادل زيارات ليلية وإحسان واسع إلى الفقراء والمساكين , والذي يذكره صبينا عندما يحل رمضان يكلّفه والده بمهمة رائعة , طوال أيام رمضان , وهي بإعطائه سلة صغيرة مليئة بالثمور الجيدة ليقف عند باب الجامع عند المغرب لتفريق تلك الثمار على الصائمين عند دخولهم إلي المسجد فكان هذا الصبي يفرح فرحا غامرا بهذه المهمة الجليلة , وعندما كبر وتزوج وأنجب كلف أطفاله بنفس هذه المهمة . وكان هذا الصبي في طفولته يلح على والدته وشقيقته الكبرى أن يوقدوه عند السحور ليتسحر ويصوم في اليوم التالي , ولكنه عند الظهر أو بعده بقليل تنهار مقاومته وتشعر شقيقته الكبرى بالمكابدة التي يعانيها فتشجعه على الإفطار بإقناعه انه في الإمكان بعد صيامه نصف اليوم التالي يمكن خياطة نصفي اليومين ليصيرا يوما كاملا من الصيام!!! , على أي حال فقد كانت آلام الجوع كفيلة لإقناعه بهذه الحيلة المريحة , ومن جهة أخرى فهي طريقة جيدة لتعويد الأطفال على الصيام والمشاركة الفعلية في الاحتفاء بهذا الشهر المبارك والاندماج في جوه الجميل .

 

 

الحج على من استطاع إليه سبيلا

المبدأ الخامس في هذه الرسالة هو الحج لمن استطاع إليه سبيلا, فالحج فريضة على كل معتنقي رسالة الإسلام , ولكن هذا الواجب مرتبط بإمكانية تحقيقه صحيّا وماليّا , أي أن المريض والمعدم الذي ليس لديه ما يسدد به التزامات هذا الواجب من سفر وإقامة ورسوم يسقط عنه هذا الواجب .

إن الشيء المبهر والرائع في هذا الواجب الإسلامي هو ارتداء رداء الإحرام من أول خطوة من شعائره إلى نهاية هذه الشعائر , فالحاج عليه أن يتجرّد من ملابسه العاديّة سواء كانت راقية أو متواضعة ويرتدي فقط إزارين , أحدهما لجسمه العلوي والآخر للجزء السفلي , ولا ينتعل إلاّ نعلا بسيطا متواضعا , هذا بالنسبة للذكور, أمّا بالنسبة للإناث فيكون لباس الإحرام ممّا يتفق مع الحشمة والتواضع الكامل.

ولا شك أن الهدف الرائع في هذا الالتزام من ناحية ما يرتدي الحاج هو أن يكون الحجّاج في مستوى واحد , فلن تستطيع التفريق بين الغنيّ والفقير أو بين الملوك والعامة من الناس , فالكل سواسية في رحاب الخالق . وممّا لا شك فيه أيضا أن هذه المشاعر التي تسود الجميع وهذا الإحساس بالمساواة سوف تبعث في الجميع روح الأخوّة البشرية والتعاطف الإنساني الذي هو أعظم وأروع ما يحقّقه هذا الواجب المقدّس من أهداف في هذه المسيرة البشرية التي تتحقّق جيل بعد جيل .

والشيء الرائع أيضا في هذه المسيرة الفذّة وهذا الواجب المقدس النبيل أن الحجّاج جميعهم في أثناء أداء هذه الشعائر يذكرون بأصوات عالية الخالق , لبّيك اللهمّ لبّيك , لبّيك لا شريك لك لبّيك , أي أننا نستجيب لدعوتك يا ربّ الحقّ والخير والصدق والعدل والجمال , ولن نستجيب لغيرك , لا شريك لك لبّيك , حيث يلتقي كل الحجّاج من مشارق الأرض ومغاربها عند جبل عرفات وحوله في يوم واحد هو اليوم التاسع من ذي الحجة من كل سنة حسب شعائر هذا المبدأ المقدّس .

وقد قيل في هذا الشأن من بعض المجتهدين أن شعيرة الالتقاء على جبل عرفات كان تقليدا قديما قام نتيجة رسوّ سفينة نوح عليه السلام على جبل عرفات بعد نهاية الطوفان , فهؤلاء القوم بعد نجاتهم من الغرق بدأ أحفادهم وأحفاد أحفادهم ينتشرون في الأرض , ولكي لا يفقدوا هذه الصلة المباركة التي ارتبطوا بها فكّر حكماؤهم على أن يلتقي من يستطيع ذلك منهم كل سنة في هذا المكان المقدس , وهذه الفكرة تتعارض وتنفي ذلك الاعتقاد عند بعض الناس بأن سفينة نوح قد رست على جبل أرارات في بعض نواحي الأنضول بتركيا .

والذي يؤكد العلاقة بين سفينة نوح وجبل عرفات وشعائر الحج أن أحفاذ هؤلاء الناس قد ارتبط أكثرهم بهذه المنطقة الأمر الذي جعل أحد هؤلاء الأحفاد وهو إبراهيم الخليل عليه سلام الله يقوم وابنه إسماعيل ببناء الكعبة في هذه المنطقة بالذات . والشيء العجيب الذي دلّني عليه أحد الإخوة المهندسين من طرابلس ليبيا أن الكعبة المباركة تقع في مركز سطح الأرض , كما سبق ان شرحنا ذلك في القاعدة الثانية من قواعد هذه الرسالة المجيدة , ولا شك أن هذه إحدى المعجزات التي فاتت على الكثيرين منّا !!!! الأمر الذي جعل إحدى شعائر الحجّ أن يطوف كل حاج سبع دورات حول الكعبة عند قدومه إلى مكة مع تكرار هذه الدورات عند إنهاء شعائر هذا الواجب المقدّس.

ولا تكتمل شعائر الحجّ إلاّ برجم الشيطان بالحجارة , بأن يقذف كل حاج رمز الشيطان بسبع حجرات مرّتين في يومين متتالين , وهي لا شك شعيرة رمزية لها معناها العميق في نفوس الحجّاج , ذلك أن الحاج وهو في هذه الأماكن المقدّسة ,و في هذا الجوّ الروحي ويقوم بقذف رمز الشر والخراب والظلم والظلمات على أمل أن يكون هذا التصرف مستقرّا في نفوسهم طوال حياتهم ضدّ الشرور والأشرار .

كما سبق أن قلنا أن هذا الواجب مفروض على أتباع هذه الرسالة مرة واحدة في حياة كل إنسان لمن يستطيع ذلك ماليّا وصحيّا , ولكن الذي يبدو أن الكثير من الناس يكرر القيام بهذه الشعيرة عدة مرّات في حياته , ربّما لاعتقاده أن ذلك فيه الأجر والثواب الكثير , أو ربما هو نوع من الغلوّ في الدين كما يحصل في الكثير من واجبات العقيدة , ولكن قد فات هؤلاء الناس بأنهم بعملهم هذا قد يرتكبون خطأ من حيث لا يشعرون , ذلك أن تكرار القيام بهذه الشعيرة من بعض الناس سنة بعد سنة قد خلق زحاما شديدا في أماكن أداء شعائر الحج , وقد ترتب عن هذا الزحام الشديد في بعض الأحيان أن فقد بعض الحجاج حياتهم, وقد انتبهت بعض الدول الإسلامية إلى هذا الأمر فمنعت إعطاء تأشيرة الحج لمن سبق له القيام بهذه الشعيرة .

أملنا ورجاؤنا أن نكون قد وفّقنا في تقديم القواعد الخمس لرسالة الإسلام سواء لأصحاب هذه الرسالة أو لغيرهم من أصحاب التوجهات الأخرى, وذلك حسب توجّهاتنا واجتهادنا وعلمنا المتواضع, وتحن نعتقد أن فوق كل ذي علم عليم , فإذا أصبنا فلنا أجر من أصاب , وإذا أخطانا فلنا أجر من اجتهد مخلصا فأخطأ , وعلى أيّ حال فإننا نؤمن إيمانا كاملا أن في هذه القواعد الكثير ممّا يفيد البشرية ويدفعها إلى الوحدة والسلام . وخير ما نختم به هذه المحاولة هو ما جاء في سورة فصّلت من قوله تعالى ( إن الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون , نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون , نزلا من غفور رحيم , ومن أحسن قولا ممّن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين , ولا تستوي الحسنة ولا السيّئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم , وما يلقّاها إلاّ الذين صبروا وما يلقّاها إلاّ ذو حظ عظيم , وإمّا ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) , وقوله تعالى في سورة الحجرات ( يأيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير )

فهذه الآيات الكريمة ليست موجهة إلى المسلمين فقط بل هي موجهة إلى الناس كافة, وليت هؤلاء الناس المنتشرين في أرجاء الأرض يستوعبون هذا النداء المقدس ويعملون به حتى تعمّ وحدتهم وينتشر السلام بينهم ويتحقق الهدف من وجودهم في هذا الكون .

عبد الله شرف الدين القاهرة ربيع 2008