THE INTERNATIONAL ORGANIZATION FOR THE ELIMINATION OF ALL FORMS OF RACIAL DISCRIMINATION (EAFORD)

5 Route des Morillons, CP 2100.  1211 Geneva 2, Switzerland

Telephone: (022) 788.62.33 Fax: (022) 788.62.45  e-mail: info@eaford.org

www.eaford.org

 

 

 

ترومان ويهودية اسرائيل[1]

د.انيس مصطفى القاسم[2]

 

رفض أبو مازن في كلمته أمام الجمعية العامة للامم المتحدة الاعتراف بيهودية اسرائيل، أو الاعتراف بأن اسرائيل دولة الشعب اليهودي، وفي هذا يؤيده الشعب الفلسطيني كله أينما تواجد. وقد سبقه في ذلك الرئيس الامريكي هاري ترومان في 14 مايو/ أيار 1948 عندما اعترف باسرائيل بعد دقائق من اعلان "استقلالها"، وجاء ذلك الرفض صريحا وبخط ترومان نفسه في رسالة الاعتراف التي صححها بخط يده، الأمر الذي يدل على أن هذا الرفض قد صدر عن ترومان نفسه، ولم يكن اجتهادا أو مناورة من أحد مساعديه. فقد كشف موقع "ماذا حدث فعلا" على الشبكة العنكبوتية عن مسودة اصل رسالة الاعتراف التي تحمل توقيع ترومان، واذا بترومان يشطب كلمة "يهودية" "Jewish من نص الاعتراف الذي عرض عليه. وها هو نص الرسالة كما وردت في الموقع، وعليها ما شطبه ترومان وكتبه بدلا منه:

“This government has been informed that a Jewish state has been proclaimed in Palestine, and recognition has been requested by the provisional Government thereof.

The United States recognises the provisional government as the de facto authority of the new jewish state   state of Israel.  

وترجمة هذا النص مايلي:

 

"أخطرت هذه الحكومة بأنه جرى اعلان دولة يهودية في فلسطين، وطُلِبَ الاعترافُ بحكومتها المؤقته.

 

"تعترف الولايات المتحدة بالحكومة المؤقتة كسلطة الامر الواقع في الدولة  اليهودية   دولة اسرائيل الجديدة ".

 

 في هذا النص لم  يشطب ترومان كلمتي "دولة يهودية" الواردتين في الفقرة الاولى لأن هذه الفقرة اعادت نص الطلب الذي قدم للحكومة الامريكية، ولكنه صحح النص المعروض عليه باضافة كلمة "مؤقتة" حيث أن الحكومة التي أعلنت كانت مؤقتة. وقد وضعنا خطا تحت هذه  الكلمة في الترجمة العربية وكتبناها بالاحرف المائلة في النص الانكلزي.  أما الفقرة الثانية فهي القرار الامريكي ردا على طلب الاعتراف. ولهذا شطب ترومان كلمتي "الدولة اليهودية" في هذا النص ، وكتب بخط يده  بدلا منهما كلمتي "دولة اسرائيل" وأبقى كلمة "الجديدة". وبعد هذا النص اضاف الختم والتوقيع وعبارة موافق والتاريخ وهو 14 مايو 1948. ويلاحظ أنه وضع هذه البيانات على المسودة نفسها ربما لكي لا يحدث تلاعب فيما أدخله من تعديلات. وبامكان القارئ أن يزور الموقع الذي نشر هذه الوثيقة، وهو :

http://whatreallyhappened.com/IMAGES/truman _ stateofisrael_2.jpg  . وكانت آخر مرة زرنا فيها هذا الموقع لزيادة التأكد من النص مساء يوم الجمعة بتاريخ 30 سبتمبر/ ايلول 2011. وفي آخر هذا المقال ننقل صورة فوتوغرافية للمسودة هذه مأخوذة  من الموقع.

 

لا يمكن اتهام ترومان بأنه كان معادياً للسامية أو لليهود أو لدولة اسرائيل، عندما اتخذ قراره هذا بعدم الاعتراف باسرائيل عل أنها دولة يهودية، أو دولة الشعب اليهودي أو إسباغ صفة "اليهودية" عليها. ولاشك في أن قادة الحركة الصهيونية، وفي مقدمتهم وايزمان الذي جاء بوعد بلفور من الحكومة البريطانية، كانوا على اتصال بالرئيس ومستشاريه وأنهم ساهموا في كتابة المسودة التي تعرض عليه مستغلين فرحتهم وفرحة الرئيس بما حصل، وتوقعوا منه الاستجابة والفوز باعترافه بدولتهم بالصيغة التي اعدوها. ومع ذلك رفض ترومان وصحح النص الذي عرض عليه، ولا شك في أنه استشار مستشاريه من رجال القانون والدستور الامريكي. وما كان ليحسم الامر على هذا الوجه القاطع في تلك اللحظة التاريخية لو كان بالامكان الاستجابة للطلب كما ورد، لا سيما وأن الرئيس الامريكي هذا قد بذل من الجهد (وغيره الشيء الكثير) ليضمن الموافقة على قرار التقسيم من جانب الجمعية العامة للامم المتحدة. ويبدو أن ترومان خلص الى نتيجة قاطعة وهي أن موافقته على الطلب بالشكل الذي ورد اليه ستكون مخالفة للتعديل الاول للدستور الامريكي التي تحظر التمييز على اساس ديني او عنصري، وقرر أنه لن  يحنث بيمينه الذي أقسم فيه على احترام الدستور ارضاءاً للوبي اليهودي المحيط به.

 

ولذاعندما يقف أوباما، الرئيس الحالي للولايات المتحدة، على منصة الامم المتحدة أو في الكلمات التي يوجهها للشعب الامريكي أو الكونغرس أو للفلسطينيين والعرب ويطالب فيها صراحة أو ضمنا بالاعتراف بيهودية اسرائيل فإنه لا يكون فقط مخالفا لرسالة الاعتراف هذه، وانما يكون أيضا مخالفا للدستور الامريكي الذي أقسم على احترامه وحانثا بيمينه، ويتعين محاكمته وعزله. وكذلك الحال بالنسبة لأعضاء الكونغرس. بل إن جريمة هؤلاء جميعا أكبر حيث أن اسرائيل تمارس الآن فعلا العنصرية ضد مواطنيها من غير اليهود بل وضد اليهود ممن يرفضون الالتزام بما يراه رجال الدين مخالفا للديانة اليهودية، في حين ان ذلك كله لم يكن واضحا هذا الوضوح عندما اتخذ ترومان قراره. 

 

السياسة العنصرية التي تنتهجها اسرائيل ضد الفلسطينيين في الداخل وفي الضفة والقطاع وفي الشتات تعبير صارخ عن عنصرية مطلقة ترفض الاعتراف بأي حق من الحقوق للشعب الفلسطيني وأبنائه في وطنهم، اذ أن جميع هذا الحقوق معلقة على الارادة الاسرائيلية التي تتميز بعدم الاعتراف بها، وذلك بالانتهاك اليومي لها. الفلسطيني ليس انسانا له حقوق مستقرة ثابتة في وطنه، وانما هو كائن عليه أن يرضى بما تترك له اسرائيل ومستوطنوها من مجالٍ في  أية لحظة من اللحظات. وهي في هذا لا تعتدي فقط على حقوق طبيعية معترف بها لكل انسان في وطنه، وانما تخالف أيضا قرار التقسيم الذي تستند اليه في شرعيتها، وتخالف تعهدها الرسمي للامم المتحدة بالالتزام بذلك القرار والقرارات الاخرى الخاصة بفلسطين عندما طلبت الانضمام للامم المتحدة. وفضلا عن ذلك فإنها تخالف الاتفاقيات الدولية التي انضمت اليها والخاصة بحقوق الانسان، وفي مقدمتها الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وقد قضت محكمة العدل الدولية في قضية الجدار العنصري أن اسرائيل ملزمة باحترام المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الانسان بالنسبة للفلسطينيين في الضفة والقطاع، فضلا عن التزامها بها فيما يتعلق بالفلسطينيين، السكان الاصليين، الذين يحملون الجنسية الاسرائيلية.

 

ولا مفر في هذا السياق من الاشارة الى الخطأ السياسي المطبق الذي جعل القيادات الفلسطينية والعربية تتبنى الغاء قرار الجمعية العامة للامم المتحدة الذي صنف الصهيونية على أنها شكل من اشكال العتصرية والتمييز العنصري، كما أن ممثل السلطة الوطنية الفلسطينية وافق على عدم دمغ اسرائيل بالعنصرية في مؤتمر ديربان الثانية  الذي عقد في جنيف في الستة الماضية بعد أن كانت قد دُمِغَتْ بذلك في ديربان الاولى رغما عن امريكا والدول الاوروبية المناصرة لها. إنه قصر النظر والاستعداد للتخلي عن الحقوق أحيانا والمكتسبات أحيانا أخرى على الصعيد الدولي في مقابل وعود لا تتحقق. أخطاء خطيرة قد ارتكبت ضد حقوق الشعب الفلسطيني ممن يفترض أنهم حماة هذه الحقوق.

 

وقد أُثير موضوع "اليهودية" مؤخرا أمام القضاء الاسرائيلي نفسه بشكل أثار غضب المؤسسة الدينية وحماة العنصرية الاسرائيلية. فقد رفع يورام كانيوك الكاتب الاسرائيلي المتزوج من مسيحية، وعمره 81 عاما، دعوى أمام المحكمة المركزية في القدس طالبا الموافقة على الغاء تسجيله في السجل المدني وفي بطاقته الشخصية بأن قوميته يهودي وتصنيفه بدلا من ذلك بأنه "عديم دين". وقد دعاه لرفع هذه الدعوى أن حفيده سجل في السجل المدني على أنه عديم دين بدلا من يهودي. وحكمت له المحكمة بذلك وسجل على أنه "عديم دين" بدلا من يهودي. وهكذا فقد اضطربت الامور بسبب الخلط بين القومية والدين واعتبار اليهودية قومية من جهة وديناً من جهة أخرى. وبناء على هذا الوضع فقد صرح يورام كانيوك بأنه ينتمي للشعب اليهودي الذي لا تعترف به اسرائيل. ونتيجة لهذا الحكم انهالت الطلبات على السجل المدني، وعلى المحامية التي كسبت القضية. ومؤخرا صدر قانون "عقد الزوجية لعديمي الدين"  الذي اعترف بالزواج الذي يتم بين "عديمي الدين" بشرط أن يكونوا مسجلين بهذه الصفة في السجل المدني. وهذا يعادل الزواج المدني،  بالنسبة لهذه الفئة، وهو زواج لم يكن معترفا به في اسرائيل، وما زال كذلك، مما اضطر الكثيرين لابرام عقود زواجهم في الخارج بعيدا عن اجراءات الزواج الديني وخضوع الزوجين لسلطة رجال الدين[3].

 

ويجب التذكير بأن حكم المحكمة المركزية هذا ليس نهائيا، وأن النائب العام قرر الطعن فيه أمام المحكمة العليا ليستقر رأي قانوني يكون ملزما للجميع بصدوره من أعلى سلطة قضائية. ولذا فإن كل ما يمكن أن يقال هو أن هذه بادرة تدل على وجود ازمة تتعلق بالهوية تتطلب حلا يتجاوب مع العصر ويتصدى للعنصرية والاكراه الديني اللذين يمارسهما الخاخامات المعاصرون على اليهودية التي هي في نظر الكاتب الاسرائيلي كانيوك أكبر من هذا كله، هذه العنصرية التي سمحت لخاخامات اسرائيليين بأن يحثوا الجنود على قتل الاطفال الفلسطينيين بحجة أنهم سيكونون، عندما يكبرون، أعداء لليهود، على حد قول هؤلاء القتلة من رجال الدين. ومع ذلك بقي هؤلاء المجرمون الدعاة للقتل دون حساب من جانب السلطات الاسرائيلية مع أن القانون يجرم هذه الافعال. الدولة :"اليهودية" التي يسيرها أمثال هؤلاء تستحق أن تنزع عنها الشرعية.

 

إن موقف الرئيس الامريكي ترومان يستحق التذكير به، تذكيرُ خَلًفِهِ من الرؤساء، حيث أنه موقف لم يتميز فقط باحترام الرئيس للدستور الذي أقسم على احترامه، وانما أيضا لأنه يثبت يوما بعد يوم أنه كان بعيد النظر، ويجب على الفلسطينيين أن يتمسكوا به رافضين العنصرية الاسرائيلية التي تسعى لتحويل الدين الى قومية شعوبية  بدلا من أن يظل دينا منفتحا على البشرية جمعاء. 

 

 

http://whatreallyhappened.com/IMAGES/truman_stateofisrael_2.jpg



نشرت في القدس العربي بتاريخ 18 أكتوبر 2011[1]

[2]  من مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية.

[3] وللمزيد من التفاصيل حول هذا الحكم القضائي يمكن الرجوع الى مقال الاستاذ حلمي موسى في السفير بعنوان "قرار قضائي يسمح بشطب دينه من بطاقة الهوية – أديب اسرائيلي يطعن بِ- "يهودية الدولة" الموقع http//www.assafir.com/Article.aspx?EditionlD=1970&ChannellD=46556&ArticlelD=641.