اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للنظر في جرائم إسرائيل على ضوء

  تصريح السلطة الفلسطينية بقبول اختصاص المحكمة

 

 

 

ورقة مقدمة إلى:

 

المؤتمر الدولي لنصرة الأسير الفلسطيني

 

الرباط  يناير 2011

 

 

 

إعــــــداد:

 

 الأستاذ عبد العزيز النويضي

 

محام ورئيس جمعية عدالة

 

 

 

 

مقدمة

 

       ستناقش الورقة مسألة قبول المحكمة الجنائية الدولية للنظر في جرائم القادة الإسرائيليين التي تدخل في ولايتها وذلك على ضوء تصريح السلطة الفلسطينية المؤرخ ب 22 يناير 2009 (أي مند سنتين بالضبط) مثل هذا اليوم الذي تعترف فيه باختصاص المحكمة في "تحديد هوية ومتابعة ومحاكمة مرتكبي الجرائم المقترفة على ارض فلسطين وذلك مند فاتح يوليوز  2002"[1] كما ستنظر الورقة في تعامل المدعي العام والمنتظم الدولي مع جرائم إسرائيل بما في ذلك مسألة الأسرى وكذا عواقب العدوان على غزة (دجنبر 2008- يناير 2009 ) وتحلل الحجج التي تساند اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للنظر في الجرائم التي ارتكبت وترتكب في فلسطين  . وستفحص الورقة سبل الدفع من خلال الجمعية العامة بالعدالة الجنائية الدولية . وأخيرا ستحلل الطرق التي يمكن للدول العربية والإسلامية وكل الدول المناصرة للحق الفلسطيني إتباعها للوصول إلى ملاحقة المجرمين الإسرائيليين وجبر ضرر الضحايا.  ونختم بمناقشة العلاقة بين البحث عن السلام وإعمال العدالة الجنائية

  أولا:  تصريح السلطة الفلسطينية بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية

 

 بعد العدوان الإسرائيلي العسكري الكثيف على غزة خلال الفترة من 27 ديسمبر 2008 إلى 18 يناير قامت السلطة الفلسطينية في 22 يناير 2009 بتقديم تصريح إلى المحكمة الجنائية الدولية تعترف فيه باختصاص المحكمة في تحديد هوية ومتابعة ومحاكمة مرتكبي الجرائم المقترفة على ارض فلسطين وذلك مند فاتح يوليوز 2002

 

        وتكمن أهمية التصريح الفلسطيني في كونه إذا ما أنتج آثاره سوف يسمح بالتحقيق في كل انتهاكات إسرائيل بحق الفلسطينيين مند فاتح يوليوز 2002 ، كما سيسمح بتجاوز عقبة كون إسرائيل ترفض أن تكون طرفا في معاهدة روما لتكريس الإفلات من العقاب بالنسبة لقادتها المدنيين والعسكريين المتورطين في الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة

  وقد طرح السؤال عما إذا كان هذا الاعتراف يشكل أساسا قانونيا يسمح للمدعي العام بأن يلتمس من الغرفة التمهيدية للمحكمة الإذن له بفتح تحقيق وذلك طبقا للمادة 12 فقرة 3 من معاهدة روما المنشئة للمحكمة والمادة 15 من نفس المعاهدة.

وقد تدعم تصريح السلطة الفلسطينية كثيرا بصدور تقرير تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة المعروف بتقرير غولدستون الذي وثق بشكل جيد لأخطر جرائم  إسرائيل التي تدخل في اختصاص المحكمة وقدم توصيات هامة لمجلس الأمن وللجمعية العامة وللمجتمع الدولي ولأطراف النزاع . هذه التقرير الذي جاء بطلب من مجلس حقوق الإنسان الذي يشكل اليوم أحد أهم وسائل متابعة تفعيل توصيات التقرير .

نشير فقط إلى أن تقرير غولدستون وجه توصيات إلى حكومة إسرائيل جاء فيها بخصوص الأسرى الفلسطينيين:

ه) توصي البعثة بقيام إسرائيل بإطلاق سراح الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية نتيجة للاحتلال. وينبغي أن يكون إطلاق سراح الأطفال أولوية مطلقة في هذا الصدد. وتوصي البعثة كذلك بأن توقف إسرائيل معاملة المحتجزين الفلسطينيين معاملة تمييزية. وينبغي استئناف الزيارات الأسرية للأسرى المنتمين إلى غزة"

و) توصي البعثة بأن تكف إسرائيل فورا عن التدخل في العمليات السياسية الوطنية في الأرض الفلسطينية المحتلة وبأن تقوم، كخطوة أولى، بإطلاق سراح جميع أعضاء اﻟﻤﺠلس التشريعي الفلسطيني المحتجزين حاليًا والسماح لجميع أعضاء اﻟﻤﺠلس بالتنقل بين غزة والضفة الغربية لكي يمكن لهذا اﻟﻤﺠلس أن يستأنف أداء مهامه؛

وتوصي البعثة أيضًا بأن تقوم إسرائيل  بإجراء تحقيق مستقل لتقييم ما إذا كانت معاملة السلطات القضائية الإسرائيلية للإسرائيليين ذوي الأصل الفلسطيني والإسرائيليين اليهود المعبرين عن معارضتهم فيما يتصل بذلك الهجوم هي معاملة تمييزية، من حيث الاﺗﻬامات الموجهة وكذلك من حيث الاحتجاز رهن المحاكمة . وينبغي إعلان نتائج التحقيق على الملأ، كما ينبغي، رهنًا بنتائج التحقيق، اتخاذ إجراءات علاجية ملائمة.

 

هنا نود تناول القضية من منظور أشمل لكل جرائم إسرائيل التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية

 

ثانيا :تعامل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مع تصريح السلطة الفلسطينية 

 

     يجدر التنبيه أن تعامل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لحد الساعة يخضع للمواد الملزمة له من معاهدة روما خاصة المادة  15 الفقرتين 2 و3 ، ونصهما كما يلي:

2- يقوم المدعي العام بتحليل جدية المعلومات المتلقاة، ويجوز له، لهذا الغرض، التماس معلومات إضافية من الدول،   أو أجهزة الأمم المتحدة، أو المنظمات الحكومية الدولية أو غير الحكومية، أو أية مصادر أخرى موثوق بها يراها ملائمة. ويجوز له تلقي الشهادة التحريرية أو الشفوية في مقر المحكمة.

3- إذا استنتج المدعي العام أن هناك أساسا معقولا للشروع في إجراء تحقيق، يقدم إلى الدائرة التمهيدية طلبا للإذن بإجراء تحقيق، مشفوعا بأية مواد مؤيدة يجمعها، ويجوز للمجني عليهم إجراء مرافعات لدى الدائرة التمهيدية وفقا للقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات."

  كما يخضع المدعي العام لإستراتيجية الادعاء المقررة لسنوات 2009-2012 . وكل أهدافها تدفع لبسط اختصاص المحكمة على جرائم إسرائيل بما في ذلك أحداث غزة . وهذه الأهداف هي:

- مقاربة إيجابية لمبدأ التكاملية؛

- تحقيقات ومتابعات مركزة على أخطر القضايا أخذا بالاعتبار عناصر من قبيل سعة النطاق وطبيعة الجرائم وطريقة الاقتراف وتأثير الجرائم؛

- تحقيقات ومتابعات مركزة على كبار المجرمين المسؤولين على الجرائم  بإعطاء الأوامر أو بالتمويل أو بالتخطيط والتنظيم؛

- التأثير الإيجابي  المضاعف للقضايا المختارة على الدفع بالعدالة الجنائية الدولية ووضع حد للإفلات من العقاب والمساهمة في الوقاية من هده الجرائم الخطيرة وذلك في مختلف مراحل تدخل مكتب المدعي العام وحتى قبل فتح التحقيقات.

- معالجة مصلحة الضحايا بما في ذلك أخد وجهة نظرهم بالاعتبار مند المراحل الأولى وقبل مباشرة التحقيقات

 

     فعلى ضوء تصريح السلطة الفلسطينية وطبقا للمواد 12 و15 من معاهدة روما ما زال المدعي العام يقوم لحد الآن  بفحص أولي لتحري ما إذا كان يوجد أساس معقول للقيام بتحقيق في الوضعية بفلسطين أخدا بالاعتبار اختصاص المحكمة وقضية المقبولية ومصالح العدالة .

       كما سيتابع المدعي العام تطور الإجراءات المتخذة على المستوى الوطني على ضوء مبدأ الدور التكميلي للمحكمة  للولايات القضائية الجنائية  الوطنية المنصوص عليه في المادة الأولى من نظام روما.

 وتثور هنا مسألة الاختصاص التكميلي في غياب تحقيقات أو متابعات جدية كما يتضح ذلك. فطبقا لتقرير أول للجنة الخبراء المستقلة التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان لهذا الغرض مؤرخ في  21 شتنبر 2010 [2]،  خلصت اللجنة إلى أن "لا إسرائيل ولا حماس لم تقوما بالتحقيقات المطلوبة"  

  وقد لخّص كريستيان توموستشات (رئيس اللجنة وعضو لجنة القانون الدولي للأمم المتحدة ) معطيات تقرير الخبراء بالقول "طعنت اللجنة في حيدْة وشفافية التحقيقات الإسرائيلية. فلم يكن واضحا للجنة كم من الحوادث العيانية، البالغ عددها 36 حالة وثقها تقرير "بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق" الصادر في سبتمبر/أيلول 2009 ، بما فيها بعض جرائم الحرب، قد قامت إسرائيل بالتحقيق فيه فعلا.ً ولاحظت اللجنة كذلك أن التحقيقات الإسرائيلية، وحتى تاريخه، لم تتوصل إلا إلى إدانة واحدة (تتعلق ببطاقة تسليف وتزوير) وإلى ثلث لوائح اتهام جميعها تطال جنودا من ذوي الرتب المتدنية. وعلاوة على ذلك، خلصت اللجنة إلى أن إسرائيل لم تجر تحقيقات تخص حالت اتخاذ المستويات العليا القرارات بشأن التخطيط لعمليات غزة وتنفيذها. وانتقدت اللجنة بشدة كذلك التحقيقات التي أجرتها إدارة حماس في غزة بأنها لم تستجب بصورة جدية لتوصيات "بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة" وتعاملت على نحو غير كاف مع مسألة إطلاق الأسلحة العشوائية إلى داخل جنوب إسرائيل من جانب الجماعات الفلسطينية المسلحة"

وقد أخبر المدعي العام أنه لازال بصدد فحص -بصفة خاصة - ما إذا كان تصريح السلطة الفلسطينية يستجيب لمتطلبات نظام روما – أي أساسا ما إذا كانت السلطة الفلسطينية تمثل دولة لغايات نظام روما[3].

وفي نظرنا لا يجب على المدعي العام إطالة النظر في هذه النقطة ذلك أنها مسألة ترجع للمحكمة طبقا للفقرة 4 من المادة

 15 التي تنص "إذا رأت الدائرة التمهيدية، بعد دراستها للطلب وللمواد المؤيدة، ، أن هناك أساسا معقولا للشروع في إجراء تحقيق وأن الدعوى تقع على ما يبدو في إطار اختصاص المحكمة، كان عليها أن تأذن بالبدء في إجراء التحقيق، وذلك دون المساس بما تقرره المحكمة فيما بعد بشأن الاختصاص ومقبولية الدعوى"

فما دام أن الكلمة الفصل في مسائل الاختصاص والمقبولية ترجع للمحكمة فإن على المدعي العام أن يحيل الأمر على الدائرة التمهيدية ويطلب  الإذن بإجراء تحقيق، على ضوء المواد المؤيدة الكثيرة التي جمعها

وربما لهذا السبب  حث تقرير غولدستون وكبريات المنظمات الدولية كمنظمة العفو الدولية المدعي العام على أخد قرار في أقرب وقت خدمة للعدالة ولمصلحة الضحايا .

 وقد أخبر المدعي العام في رسالة إلى المفوضية العليا لحقوق الإنسان في بداية 2010[4] من بين أمور أخرى بالتطورات وبأنه طبقا للمادة 12 (2) فإن المحكمة قد تمارس اختصاصها على جرائم ارتكبها مواطنو دولة طرف في نظام روما هي جنوب إفريقيا حيث بلغ محامون من هذه الدولة  معلومات حول اقتراف جرائم في غزة من أشخاص يحملون جنسية جنوب إفريقيا[5].

 

ثالثا :المقاربة الوظيفية والغائية

 

     يتعين النظر في رأي عدد من كبار فقهاء القانون الدولي[6] إلى تصريح السلطة الوطنية الفلسطينية بمقاربة غائية, فهذه المقاربة تحلل الموقف الواجب اتخاذه من منظور أهداف المعاهدة المنشأة للمحكمة الجنائية الدولية وأهداف الدول الأطراف ومن بينها:

1-  الوقاية وزجر هذه الجرائم الخطيرة باعتبارها تهدد السلم والأمن والرفاه في العالم.

2-  وضع حد للإفلات من العقاب بالنسبة لثلاث من أخطر جرائم القانون الدولي جرائم تمس بأمن البشرية وسلمها عن طريق  تطبيق الجزاءات على كل المجرمين بدون تمييز. 

3- إنصاف الضحايا وحبر ضررهم

4- بناء الثقة في العدالة الجنائية الدولية

5- انضمام أكبر عدد من الدول إن لم يكن كل دول العالم الدول من مختلف المناطق حتى لا تبقى هناك مكان على الأرض وبالتالي شعب أو فرد لا يتمتع بحماية القانون من أخطر الجرائم ولا يملك الحق في الوصول إلى العدالة .

        فالأخذ بالمفهوم الغائي في تفسير مفهوم الدولة على ضوء المادة 12 فقرة 3 يعد أسلم مقاربة ومن شأنه أن يدفع بالمحكمة في الاتجاه الصحيح للاستجابة للهدف منها ويدعم هذا التفسير المادة 23 من معاهدة فيينا (23 ماي 1969) حول قانون المعاهدات التي تنص:

   "يجب تفسير المعاهدات بحسن نية طبقا للمعنى العادي الذي ينبغي إعطاؤه لمصطلحات المعاهدة في إطارها الذي أبرمت فيه وعلى ضوء موضوعها وهدفها "

وتلقي لجنة القانون الدولي في تقريرها النهائي حول مشروع قانون المعاهدات إضاءة أكبر : "عندما تكون معاهدة قابلة لتفسيرين مختلفين ، الأول يسمح للمعاهدة بإنتاج الآثار المرغوب فيها والثاني لا يسمح بذلك فإن مبدأ حسن النية وضرورة تحقيق هدف وموضوع المعاهدة  يتطلبان ترجيح التفسير الأول على الثاني ".[7]

            كما أن اتفاقيات أوسلو 13 شتنبر 1993 واتفاق غزة –أريحا بالقاهرة 4 ماي 1994 واتفاقية واشنطن ( 25   شتنبر1995) حول الضفة الغربية وقطاع غزة تعترف فيها إسرائيل باختصاص السلطة الفلسطينية في المجال القضائي (بما فيه الجنائي) فالسلطة الفلسطينية تتوفر على مقومات الدولة من سلطة وإقليم وشعب . ولئن كان الاغتصاب والقوة وحدهما ما يمنع فلسطين من استكمال كل مقومات الدولة المستقلة بالمعنى الكلاسيكي في جانب الإقليم  والشعب بسبب الاستيطان ونكران حق العودة  . فإن هذا الاغتصاب المخالف لقواعد القانون الدولي والشرعية الدولية لا ينبغي أن يصبح بدوره مبررا لحرمان الشعب الفلسطيني من الحماية المشرعة التي يقررها له القانون الدولي ومن الحق في الانتصاف وفي جبر الضرر.

 

        إن العرقلة الأساسية أمام تمتع الشعب الفلسطيني بكامل حقوقه المشروعة على قدم المساواة مع كافة الدول لها علاقة باغتصاب أجزاء واسعة من إقليمه الوطني التي هي محددة بقرارات الشرعية الدولية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة. ففلسطين دولة في طريق استكمال عناصر سيادتها  وليس ذنب شعبها أن إسرائيل لا تكتفي بتكريس واقع الاحتلال عن طريق الاستيطان بل إنها تسعى بسياسة عنصرية وعدوانية إلى طرده مما تبقى من أراض عن طريق التطهير العرقي والديني وعن طريق ممارسة جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية . وسيكون من قبيل الظلم المضاعف أن تقود الجرائم -التي تنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية بالذات- والرامية إلى عرقلة التمتع بالحقوق المشروعة بما في ذلك استكمال كل مقومات الدولة ، إلى عرقلة اختصاص المحكمة بالنسبة لما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة وجرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي.

      وإضافة لكل ما سبق يتعين الأخذ بالاعتبار أحد توصيات تقرير غولدستون الموجهة إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية حيث نصت على مايلي : " بالإشارة إلى الإعلان الصادر بموجب المادة ١٢الذي تلقاه مكتب مدعي المحكمة الجنائية الدولية من حكومة فلسطين، ترى البعثة أن المساءلة من أجل الضحايا وحرصًا على السلام والعدل في المنطقة تتطلب أن يتخذ المدعي القرار القانوني المطلوب على أسرع وجه ممكن"،  إن استعمال تقرير غولدستون – وهو بالمناسبة من كبار رجال القانون الجنائي الدولي إذ عمل مدعيا عاما لمحكمتي يوغوسلافيا ورواندة عند نشأتهما – لتعابير ذات دلالة من قبيل "من أجل الضحايا " و"حرصًا على السلام والعدل في المنطقة" يدلان على القرار القانوني المطلوب الذي يتعين على مدعي المحكمة الجنائية الدولية.

 

رابعا : مناقشة الحصار وجرائم القتل والأذى المنهجي واحتجاز الأسرى

باعتبارها تدخل في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد البشرية

 

       جرائم الإبادة الجماعية

لا يتعين حصر جرائم إسرائيل في جرائم الحرب وبقية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان طبقا لما وثقه تقرير بعثة الأمم المتحدة (المعروف بتقرير غولدستون) بل يتعين إضافة جريمة الإبادة الجماعية لهذا السجل الإجرامي الحافل .

        فبموجب المادة  6 من نظام روما فالإبادة الجماعية تعني أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها هذه، إهلاكا كليا أو جزئيا عن طريق : أ) قتل أفراد الجماعة. ب) إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة. ج) إخضاع الجماعة عمدا لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كليا أو جزئيا. د) فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة. هـ) نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.

       فثلاثة أفعال على الأقل تشكل سياسة منهجية لإسرائيل ضد الشعب الفلسطيني كجماعة قومية:

  1) قتل أفراد الجماعة . 2) إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة. 3) إخضاع الجماعة عمدا لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كليا أو جزئيا .

       وهذه الجرائم موثقة جيدا ( تقارير مقرري الأمم المتحدة الخاصين بالأراضي المحتلة وتقارير المنظمات الحقوقية الدولية). وعلى المجموعة القانونية والحقوقية الدولية أخذ هذا بالاعتبار.

قضية الأسرى كجرائم دولية  (قيد الإعداد)

خامسا:  سبل أخرى لعرض القضية على العدالة الجنائية الدولية:

          دور الجمعية العامة للأمم المتحدة

 

المسؤولية الخاصة للجمعية العامة والأمم المتحدة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

 

   أكدت محكمة الدولية في رأيها الاستشاري (9 يوليوز 2004) حول "الآثار القانونية لبناء جدار في الإقليم الفلسطيني المحتل "أنه لا يمكن اعتبار موضوع طلب الجمعية العامة للرأي الاستشاري مجرد قضية ثنائية  بين إسرائيل وفلسطين. ونظرا لما للأمم المتحدة من سلطات ومسؤوليات إزاء المسائل المتصلة بالسلام والأمن الدوليين، ترى المحكمة أن تشييد الجدار يجب اعتباره من الأمور التي ﺗﻬم الأمم المتحدة مباشرة . كما أن مسؤولية الأمم المتحدة في هذه المسألة ناشئة أيضا عن الانتداب وعن قرار التقسيم المتعلق بفلسطين... وأضافت المحكمة :"لقد وصفت الجمعية العامة هذه المسؤولية بأﻧﻬا”مسؤولية دائمة إزاء قضية فلسطين إلى أن تحل القضية من جميع جوانبها على نحو مرض وفقا للشرعية الدولية" (قرار الجمعية العامة٥٧ /١٠٧المؤرخ ٣ ديسمبر٢٠٠٢ ) .وضمن الإطار المؤسسي للمنظمة، تجسدت هذه المسؤولية باعتماد عدد كبير من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، وبإقامة العديد من الهيئات الفرعية التي أنشئت خصيصا للمساعدة على تفعيل الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني (الفقرة 49).

      المسؤولية الخاصة للجمعية العامة والأمم المتحدة بالنظر لما حصل في غزة من جرائم

كان منطق القانون الدولي الصرف ومصلحة العدالة تتطلبان أن يحيل مجلس الأمن الدولي القضية على المحكمة الجنائية الدولية ما دامت إسرائيل ليست طرفا كما حصل بالنسبة لقضية دارفور

       غير أن الانحياز المطلق لبعض الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية يجعل هذا الاحتمال بعيد المنال كما تدل على ذلك مواقف هذه الدولة العظمى لفائدة إسرائيل في مجلس الأمن عبر عقود أو مواقفها في أجهزة أممية اقل حسما في السياسة الدولية كمجلس حقوق الإنسان خاصة كما رأينا في العدوان على غزة،  ولهذا فمن منظور واقعي لا يبقى للدول المناصرة للحق الفلسطيني من حل إلا اللجوء إلى الجمعية العامة حيث يستطيع أسلوب العمل الديمقراطي المرتكز على الأغلبية تجاوز حق النقض بمجلس الأمن ، الذي تستطيع بمقتضاه دولة واحدة أن تعطل من داخل جهاز للأمم المتحدة اتخاذ قرارات يفرضها العدل والمنطق والحق ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة نفسه .

     ويمكن لأغلبية الدول المناصرة للشرعية الدولية وللحق الفلسطيني بالجمعية العامة أن تسلك ثلاثة سبل:

 

1- أن تطلب من مجلس الأمن تنفيذ التوصيات الموجهة إليه من تقرير غولدستون

لقد طلبت الجمعية العامة بالقرار 64/254 بتاريخ 2 فبراير 2010 (أغلبية 99 صوتا ومعارضة 7 [8]وامتناع 30 دولة عن التصويت ولم تشارك 56 دولة في التصويت ) من إسرائيل ومن الطرف الفلسطيني مرة أخرى (بعد قرار أول في 5 نونبر 2009 القرار 64/10) أن تقوم بتحقيقات مستقلة ومطابقة للمعايير الدولية . كما طلبت من سويسرا مرة أخرى أن تستدعي الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة لمؤتمر لتحديد التدابير الواجب اتخادها  بهدف فرض احترام الاتفاقية في الإقليم الفلسطيني المحتل بما في ذلك القدس الشرقية

ولقد دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 فبراير/شباط 2010 الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن يرفع تقريرا إليها خلال خمسة أشهر بشأن التحقيقات الإسرائيلية والفلسطينية. بيد أن تقريري الأمين العام اللذين أصدرهما 26 يوليو و 11 أغسطس افتقرا تماما إلي أي تقييم جوهري للتحقيقات المحلية التي أجريت بشأن حرب غزة

وهذه الثغرة الرئيسية سدها لحسن الحظ مجلس حقوق الإنسان فطبقا لتقرير للجنة الخبراء المستقلة التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان لهذا الغرض كما راينا أعلاه

غير أن الإمكانية الأولى الأساسية للجمعية العامة تتمثل في أن تطلب من مجلس الأمن تنفيذ التوصيات الموجهة إليه من تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن التراع في غزة المعروف بتقرير غولدستون

 ونذكر بتوصيات تقرير بعثة الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن : 

أ) توصي البعثة بأن يطالب مجلس الأمن حكومة إسرائيل، بموجب المادة 40 من ميثاق الأمم المتحدة، بما يلي:

* أن تتخذ جميع الخطوات الملائمة في غضون ثلاثة أشهر لبدء تحقيقات ملائمة تكون مستقلة و مطابقة

للمعايير الدولية، في الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي وللقانون الدولي لحقوق الإنسان التي تناولها تقرير البعثة وفي أي ادعاءات خطيرة أخرى قد تصل إلى علمها؛

*أن تبلغ مجلس الأمن، في غضون فترة أخرى مدﺗﻬا ثلاثة أشهر بالإجراءات المتخذة أو الجاري اتخاذها، من جانب حكومة إسرائيل  للتحري عن هذه الانتهاكات الخطيرة والتحقيق فيها والمقاضاة بشأﻧﻬا؛

ب) توصي البعثة كذلك بأن يُنشئ مجلس الأمن، في الوقت نفسه، لجنة خبراء مستقلة في القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان لرصد أي إجراءات قانونية أو إجراءات أخرى داخلية تتخذها حكومة إسرائيل في ما يتصل بالتحقيقات المذكورة آنفًا ولتقديم تقارير عن ذلك . وينبغي أن تقوم لجنة الخبراء بتقديم تقرير في ﻧﻬاية فترة الستة أشهر إلى مجلس الأمن عن تقييمها للإجراءات الداخلية ذات الصلة التي تكون قد بادرت ﺑﻬا حكومة إسرائيل، بما في ذلك عن مدى تقدم هذه الإجراءات وفع آليتها وصدقيتها، لكي يمكن ﻟﻤﺠلس الأمن أن يقيّم ما إذا كانت قد اتُخذت أو يجري على الصعيد الداخلي اتخاذ إجراءات ملائمة لضمان العدالة للضحايا ولضمان مساءلة مرتكبي الانتهاكات . و ينبغي أن يطلب مجلس الأمن من اللجنة تقديم تقارير إليه على فترات محددة، حسبما يكون ضر وريًا. وينبغي أن تقوم مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بتقديم الدعم الملائم للجنة؛

ج) توصي البعثة بأن ينظر مجلس الأمن في الحالة لدى تلقي تقرير اللجنة، وبإحالة الوضع في غزة إلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية عملا بالمادة ١٣ (ب) من نظام روما الأساسي ما لم تكن السلطات المختصة لدولة إسرائيل قد باشرت أو تباشر فعلا في غضون ستة أشهر من تاريخ صدور قراره بموجب المادة ٤٠ ، إجراء تحقيقات بحسن نية تكون مستقلة ومطابقة للمعايير الدولية، ويتصرف مجلس الأمن، في قيامه بذلك بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة؛

د) توصي البعثة بأن يطلب مجلس الأمن من لجنة الخبراء المستقلة المشار إليها في الفقرة الفرعية (ب) القيام برصد أي إجراءات قانونية أو إجراءات داخلية أخرى اتخذﺗﻬا السلطات المختصة في قطاع غزة فيما يتصل بالتحقيقات المذكورة أعلاه وبتقديم تقارير عن ذلك . وينبغي أن تقوم هذه اللجنة بتقديم تقرير في ﻧﻬاية فترة الستة أشهر إلى مجلس الأمن عن تقييمها للإجراءات الداخلية ذات الصلة التي تكون قد بادرت ﺑﻬا السلطات المختصة في غزة، بما في ذلك عن مدى تقدم هذه الإجراءات وفعاليتها و صدقيتها، لكي يمكن ﻟﻤﺠلس الأمن أن يقيّم ما إذا كانت قد اتخذت، أو يجري على الصعيد الداخلي اتخاذ إجراءات ملائمة لضمان العدالة للضحايا ولضمان مساءلة مرتكبي الانتهاكات . وينبغي أن يطلب مجلس الأمن من اللجنة تقديم تقارير إليه على فترات محددة، حسبما يكون ضروريًا؛

و بإحالة الوضع في غزة  ه) توصي البعثة بأن ينظر مجلس الأمن في الحالة لدى تلقي تقرير اللجنة،

إلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية عم ً لا بالمادة ١٣ (ب) من نظام روما الأساسي ما لم تكن السلطات المختصة في غزة قد باشرت أو تباشر فعلا، في غضون ستة أشهر من تاريخ صدور قراره بموجب المادة ٤٠ ، إجراء تحقيقات بحسن نية تكون مستقلة ومطابقة للمعايير الدولية، ويتصرف مجلس الأمن، في قيامه بذلك، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة؛

و) توصي البعثة بأن يعتبر مجلس الأمن عدم التعاون من جانب حكومة إسرائيل أو سلطات غزة مع أعمال اللجنة عرقلة لأعمال اللجنة.

2- يمكن للجمعية العامة بكل بساطة أن تطبق توصيات تقرير غولدستون الموجهة إليها وهي كما يلي:

 

 أ) توصي البعثة بأن تطلب الجمعية العامة إلى مجلس الأمن إبلاغها بالتدابير المتخذة فيما يتعلق بضمان المساءلة عن الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي ولحقوق الإنسان فيما يتصل بالوقائع الواردة في هذا التقرير وبأية وقائع أخرى ذات صلة في سياق العمليات العسكرية في غزة، بما في ذلك تنفيذ توصيات البعثة . ويمكن أن تظل هذه المسألة معروضة على الجمعية العامة إلى أن تقتنع بأن إجراءات ملائمة قد اتُخذت على الصعيد الداخلي أو الدولي من أجل ضمان العدالة للضحايا والمساءلة لمرتكبي الانتهاكات . ويمكن للجمعية العامة أن تنظر فيما إذا كان يلزم اتخاذ إجراءات إضافية في حدود سلطاﺗﻬا حرصًا على العدالة، بما في ذلك اتخاذ إجراءات في إطار قرارها ٣٧٧ (د- ٥) المتعلق بالاتحاد من أجل السلم؛

ب) توصي البعثة بأن تنشئ الجمعية العامة صندوق ضمان يُستخدم في دفع تعويضات ملائمة للفلسطينيين الذين تكبدوا خسائر وأضرارًا نتيجة للأفعال غير المشروعة التي تُعزى إلى إسرائيل أثناء العملية العسكرية التي وقعت في كانون الأول/ديسمبر 2008 - كانون الثاني /يناير 2009 والأفعال المتصلة ﺑﻬا، وأن تدفع حكومة إسرائيل المبالغ المطلوبة إلى هذا الصندوق.  وتوصي البعثة كذلك بأن تطلب الجمعية العامة من مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقديم مشورة خبراء بشأن الطرائق المناسبة لإنشاء صندوق الضمان؛

ج) توصي البعثة بأن تطلب الجمعية العامة من حكومة سويسرا عقد مؤتمر للأطراف المتعاقدة السامية في اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن اتخاذ تدابير لتعزيز الاتفاقية في الأرض الفلسطينية المحتلة ولضمان احترام هذه الاتفاقية وفقًا للمادة ١ منها؛

د) ...

 

3- أن تحل الجمعية العامة محل مجلس الأمن في إطار قرارها ٣٧٧ (د- ٥) المتعلق بالاتحاد من أجل السلام الذي يخولها عددا من الاختيارات

وحول حلول الجمعية العامة محل مجلس الأمن قالت محكمة العدل الدولية في نفس الرأي الاستشاري حول الجدار (الفقرة 30) : " تود المحكمة أن تذكر بأن القرار ٣٧٧ ألف (د - ٥) ينص على يلي :" إذا لم يتمكن مجلس الأمن ، بسبب عدم إجماع أعضائه الدائمين من مباشرة مسؤوليته الرئيسية  عن صون السلام والأمن الدوليين في أي حالة يظهر فيها ﺗﻬديد للسلام، أو خرق للسلام، أو عمل عدواني، تنظر الجمعية العامة في المسألة على الفور ﺑﻬدف تقديم توصيات مناسبة إلى الأعضاء من أجل اتخاذ تدابير جماعية

. والإجراء الذي نص عليه ذلك القرار رهن بتوافر شرطين، وهمهما أن يكون اﻟﻤﺠلس قد أخفق في مباشرة مسؤوليته الرئيسية عن صون السلام والأمن الدوليين نتيجة لتصويت سلبي من جانب واحد أو أكثر من الأعضاء الدائمين، وأن تكون هذه الحالة هي إحدى الحالات التي يظهر فيها ﺗﻬديد للسلام، أو خرق للسلام أو عمل عدواني ..."

لقد أوصى بذلك تقرير غولدستون بدون تفصيل . وهذا يعني عددا من الإمكانيات لعل أهمها أن تنشئ  

كما خلق مجلس الأمن محاكم Tribunal P้nal Ad  Hoc الجمعية العامة محكمة جنائية خاصة

يوغوسلافيا ورواندة سنتي 1993 و1994 على  التوالي .

ويمكن تمهيدا لذلك  أن تطلب الجمعية العامة من محكمة العدل الدولية رأيا استشاريا عما إذا كان يمكنها أمام  عرقلة بعض الأعضاء الدائمين لمجرى العدالة أمام المحكمة الجنائية الدولية أن تخلق هي نفسها في إطار قرارها ٣٧٧ (د- ٥) المتعلق Tribunal P้nal Ad  Hoc بالاتحاد من أجل السلام إنشاء محكمة جنائية خاصة

. ونذكر بهذا الصدد بالمسلسل الذي اتبعته أغلبية الأعضاء بالجمعية العامة للوصول إلى استصدار رٍأي استشاري في قضية الجدار العازل سنة 2004 – وهو رأي شكل نصرا قانونيا ودبلوماسيا من أعلى مستوى للقضية الفلسطينية في أحلك مراحل الصراع (منتصف ولاية بوش الثانية 2000-2008).

 

سادسا :  مسألة الاختصاص العالمي ودور الدول العربية والإسلامية

 

بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي العرفي فإن لكل دول العالم الإمكانية القانونية والواجب  القانوني والأخلاقي للتحقيق في جرائم القانون الدولي والمقاضاة عليها أمام المحاكم الوطنية من خلال ممارسة الولاية القضائية العالمية؛

وقد  أوصى تقرير غولدستون  بأن تبدأ الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف لعام 1949 تحقيقات جنائية في محاكمها الوطنية، باستخدام الولاية العالمية، عند وجود أدلة كافية على ارتكاب خروق خطيرة لاتفاقيات جنيف لعام 1949. وينبغي القيام، عند وجود ما يسوغ ذلك عقب التحقيقات، بإلقاء القبض على مرتكبي الانتهاكات ومقاضاﺗﻬم وفقًا لمعايير العدالة المعترف ﺑﻬا دوليًا؛

وقد دعت منظمة العفو الدولية بدورها السلطات الوطنية لجميع الدول إلى إجراء تحقيق في الجرائم التي ارتُكبت خلال نزاع غزة والمقاضاة عليها أمام محاكمها الوطنية نيابة عن المجتمع الدولي، مشيرة إلى أن بوسع جميع الدول أن تعقد محاكمات بشأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بغض النظر عن المكان الذي ارتُكبت فيه

ونعتقد أن الدول العربية والإسلامية عليها بصفة خاصة أن تبادر إلى ذلك وأن تنظم إلى محكمة الجنايات الدولية وتلائم قوانينها الوطنية لإعمال مبدإ التكاملية ومبدإ الاختصاص العالمي على حد سواء

 

سابعا : كلمة أخيرة : ضرورة الحذر من استعمال ذريعة "مفاوضات السلام "لشل العدالة الجنائية الدولية

 

من المحتمل أن يتم استعمال ذريعة الحفاظ على جهود السلام لعرقلة التوجه نحو متابعة القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين . إذ يمكن أن يستعمل بعض حلفاء إسرائيل في مجلس الأمن هذه الذريعة التي تسمح بها المادة 16 من النظام الأساسي لروما  التي تتيح بأغلبية 9 أصوات تأجيل النظر في أي قضية لمدة سنة حيث تنص :

"لا يجوز البدء أو المضي في تحقيق أو مقاضاة بموجب هذا النظام الأساسي لمدة اثني عشر شهرا بناء على طلب من مجلس الأمن إلى المحكمة بهذا المعني يتضمنه قرار يصدر عن المجلس بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط ذاتها".

قد تقدم ذريعة أن بعض القادة هم مشاركون في مفاوضات السلام وأنه لو تم التحقيق معهم فإنهم لن يقبلوا السلام ما دام أن الأفق الذي ينتظرهم هو قضاء بقية حياتهم وراء القضبان . وعلى هذا يجب الرد:

نعم إن العدالة الجنائية يمكن أن تعطل أحيانا جهود السلام ولكنها يمكن على العكس من ذلك أن تسهم فيها بشكل حاسم خاصة في حالة كهده التي نرى فيها قادة  إسرائيل لا يتورعون عن استعمال ما يسمى بمسلسل السلام للمضي قدما في تنفيذ المزيد من السياسات العدوانية والتوسعية . ويعطينا تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي أمثلة عديدة .

فبعد معاهدة السلام مع مصر حصل العدوان على لبنان ومدابح صبرا وشاتيلا سنة 1982 .

وفي خضم المفاوضات وتدخل الرباعية الدولية ، وغداة تقديم أفضل عرض عربي للسلام في قمة بيروت في نهاية مارس 2002 ، حصلت جرائم حرب في جنين في أبريل 2002 وخلال بقية الشهور والسنين...

إن العدالة الجنائية على العكس مما يقال قد تشجع السلام . وهي بكل تأكيد تردع مزيدا من العدوان كما أثبتث التجربة . لقد سبق للمدعي العام لمحكمة يوغوسلافيا السابقة وهو ريتشارد غولدستون آنداك أن أصدر مذكرة اعتقال في حق رادوفان كاراديتش زعيم صرب البوسنة وراتكو ملاديش قائده العسكري رغم اعتراض بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة  آنداك الذي برر موقفه قائلا :كيف نتابع هؤلاء الأشخاص خلال الحرب ونحن نريد صنع السلام معهم ؟

غير أن الأمور سارت في اتجاه مخالف لمنطق بطرس غالي . فبسبب تورط كاراديش في مدبحة سريبرينتشا (يوليوز 1995) التي ذهب ضحيتها أكثر من 7 آلاف مسلم،  لم يستطع المشاركة في محادثات السلام في دايتون بالولايات المتحدة الأمريكية وكان مضطرا لقبول ثمثيله من طرف سلوبودان ميلوزوفيتش رئيس صربيا . فهنا دعمت المتابعة جهود السلام ولم تمنع ملاحقة كاراديتش اليوم أمام المحكمة ، بل لم تمنع متابعة ميلوزوفيتش نفسه ومحاكمته فيما بعد . 

إن على المجتمع الدولي أن يكون منسجما وألا يكيل بمكيالين . فجهود السلام في السودان لم تمنع من متابعة الرئيس حسن البشير.   وعلى أغلبية الدول الأعضاء بالأمم المتحدة وبالمحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر معاقبة جرائم الحرب وبقة الجرائم الدولية دعما للسلام أن تختار: هل العالم سيكون أكثر سلما وأمنا بدون عدالة جنائية دولية ؟

لقد اختارت في الحقيقة الجواب مند إنشاء محاكم نورمبورغ وطوكيو وبعد ذلك محاكم يوغسلافيا ورواندة ثم المحكمة الجنائية الدولية مند 1998 .

إن العدالة الجنائية الدولية لا تعرقل السلام بل تعززه وتقي من حروب وجرائم مقبلة يسهل تكرارها عندما يقتنع المجرمون أنهم سيبقون بمنأى من العقاب. إنها وسيلة ردع قوية للمجرمين السابقين والمحتملين عندما يلمسون تصميم المجتمع الدولي على متابعة أي مجرم مهما كان انتماؤه  وجعل عدم الإفلات من العقاب سياسة ثابتة ..

إن للعدالة الجنائية الدولية ثمنا قد يكون أحيانا هو جعل جهود السلام أصعب ولكنه ثمن ضروري لتقدم العدالة الجنائية الدولية وجعلها أداة للسلام في المستقبل.

ولا يقبل أبدا بدعوى السلام أن تتم التضحية بحقوق الضحايا في العدالة وجبر الضرر خاصة مع مجرمين لم يبرهنوا يوما عن قبول أكثر عروض السلام سخاء وأمعنوا في العدوان كلما اقتنعوا بإمكانية الإفلات من العقاب .

عندما ترتكب جرائم خطيرة فعلى العدالة الجنائية أن تأخذ مجراها. ولا يعقل أن  تصر بعض الدول العظمى على متابعة بعض القادة دون غيرهم بل وأن تؤسس محكمة جنائية دولية لجرائم أقل خطورة بكثير مما حدث في غزة.  لقد أسست المحكمة الدولية للتحقيق في  مقتل رفيق الحريري قبل معرفة قتلته في حين نوجد في غزة وجنين وغيرها أمام جرائم ارتكبها القادة الإسرائيليون على مرأى ومسمع من العالم وبالنقل الحي على شاشات التلفازات العالمية .

 إن العدالة الجنائية والسلام لن يتحققا أبدا كلما أوقفنا متابعة المجرمين بدعوى وجود مفاوضات سلام والتجربة أثبتت العكس.

فالتصميم على المتابعة هو الذي خدم السلام وخدم في نفس الوقت حق الضحايا في الانتصاف وجبر الضرر . وأتبث التجربة في مسار ما سمي بمفاوضات السلام مع إسرائيل أن هذه الدولة التي تمارس سياسة عنصرية وتتحدى العالم قد أصبحت بارعة بمباركة عدد من حلفائها في تحويل الانتهاكات إلى ورقة في المفاوضات : فالاستيطان وهدم البيوت واعتقال آلاف الأسرى واقتراف جرائم حرب وإبادة صارت محل تفاوض طلبا لهضم المزيد من الحقوق في حين أنها تتطلب بكل بساطة جزاءات وعقوبات ووضع حد للانتهاكات . ففي كل مجتمع متحضر لا يكافأ المعتدي ويدفع الضحية الثمن.

لقد فرضت الولايات المتحدة الفصل 16 في معاهدة روما لحماية جنودها من الملاحقة الجنائية الدولية واستعملت هذا الفصل مرتين متتابعتين سنة 2002 وسنة 2003 خاصة وأنها كانت منخرطة في غزو العراق خارج أي تفويض لمجلس الأمن . هذا الأخير الذي تستعمله فقط حين يكون ذلك في مصلحتها .  ولكن عندما حصلت فضيحة أبو غريب لم تستطع الولايات المتحدة اللجوء مرة أخرى للمجلس لاستصدار قرار آخر لتأمين حصانة جنودها لآن أغلب أعضاء  مجلس الأمن آنذاك لم يعودوا مستعدين لمجاراتها

إن على الدول العربية والإسلامية بالدرجة الأولى وكل الدول المحبة للعدل والسلام أن تصر على متابعة مجرمي الحرب الإسرائيليين وأن ترفض عدالة جنائية دولية انتقائية تتلاعب بها بعض الدول العظمى حسب هواها

عبد العزيز النويضي

الرباط 11 أكتوبر 2010

 

(كلوفيتس مقصود : أسئلة تحتاج إلى أجوبة واضحة المصدر: صحيفة "الخليج" (يومية – الإمارات) الصادرة يوم 11 أكتوبر2010)                                                                                                            
...ألم يكن جديراً بلجنة المتابعة العربية منذ البداية عدم الاكتفاء بطلب التجميد بل الإصرار على تفكيك المستوطنات إصراراً منها على أن اتفاقية جنيف الرابعة تحرم على سلطة الاحتلال أي تغيير أو تعديل للواقع الجغرافي أو السكاني في الأراضي الفلسطينية التي تحتلها “إسرائيل”؟                                     
يستتبع هذا سؤال آخر: لماذا لا تصر اللجنة بشكل حازم على الولايات المتحدة أن تنتزع من “إسرائيل” اعترافاً بأنها دولة احتلال لأن كل سلوكها منذ يونيو/ حزيران 67 وممارستها تؤكد أنها دولة غاصبة، وأن لا حق لها مطلقاً في الاستيطان أو تمسكها بالقدس عاصمة لها . ثم لماذا لا توصي لجنة المتابعة العربية بمقاطعة أي اتصال ناهيك عن أي تفاوض مع “إسرائيل” إلا بعد استقامة المعادلة القانونية التي كان إهمالها منذ اتفاقيات أوسلو سبباً رئيسياً للعبثية التي رافقت كل المحادثات والمفاوضات التي جرت منذ الاتفاقية العابثة وحتى من قبلها .
لكن الأهم هو التمهيد لإعادة النجاعة إلى جهاز المقاطعة الاقتصادية ل “إسرائيل” وتعليق كل العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع “إسرائيل”، والتنسيق الملزم بين الدول العربية في توفير كل المساعدات المطلوبة لمنظمة التحرير المستعادة وحدتها ووحدة فصائلها وبالتالي مرجعيتها وقيادتها لتحرير وطنها وشعبها .
من دون هذه الاجراءات تبقى “إسرائيل” منفلتة من أي عقاب، وأي تقاعس عربي في هذا المضمار، وأي تردد عن إعادة الوحدة إلى منظمة التحرير ولثقافة المقاومة ومستلزمات دعمها عربياً يجعل كل البيانات والمطالبات مجرد اجراءات عبثية وتستمر “إسرائيل” تهدد السلم والأمن الدوليين وتجعل مجلس الأمن الدولي عاجزاً عن أداء دوره في الحفاظ على الأمن والسلام                                    



[1] Declaration recognizing the Jurisdiction of the International Criminal Court

In conformity with Article 12, paragraph 3 of the Statute of the International Criminal Court, the Government of Palestine hereby recognizes the jurisdiction of the Court for the purpose of identifying, prosecuting and judging the authors and accomplices of acts committed on the territory of Palestine since 1 July 2002.

As a consequence, the Government of Palestine will cooperate with the Court without delay or exception, in conformity with Chapter IX of the Statute.

This declaration, made for an indeterminate duration, will enter into force upon its signature.

Material supplementary to and supporting this declaration will be provided shortly in a separate communication.

Signed in The Hague, the Netherlands, 21 January 2009.

For the Government of Palestine

Minister of Justice s/Ali Khashan1

 

[2] A/HRC/15/50 الوثيقة Report of the Committee of independent experts in international humanitarian and human rights laws to monitor and assess any domestic, legal or other proceedings undertaken by both the Government of Israel and the Palestinian side, in the light of General Assembly resolution64/254, including the independence, effectiveness, genuineness of these investigations and their conformity with international standards  21 Sept 2010

 

[5] In accordance with Article 12 (2) (b) of the Statute, the Court may exercise its jurisdiction over alleged crimes committed by nationals of a State Party to the Statute. In this regard, South African lawyers have communicated to the Office information on alleged crimes committed in Gaza by individuals possessing South African nationality.

[6] Alain Pellet , LES EFFETS DE LA RECONNAISSANCE PAR LA PALESTINE DE LA COMPษTENCE DE LA C.P.I p.10) ; voir lien : http://www.icc-cpi.int/NR/rdonlyres/D3C77FA6-9DEE-45B1-ACC0-B41706BB41E5/281926/PelletFRCLEAN2.pdf

 

[7] CDI annuaire 1966 vol  II p239 par 6 (cit้ par : Alain Pellet , LES EFFETS DE LA RECONNAISSANCE  

مرجع سابق ص 10

 

 

 هي كندا –إسرائيل –ميكرونيزيا –نارو- بنما- مقدونيا والولايات المتحدة الأمريكية[8]