THE INTERNATIONAL ORGANIZATION FOR THE ELIMINATION OF ALL FORMS OF RACIAL DISCRIMINATION (EAFORD)

5 route des Morillons, CP 2100.  1211 Geneva 2, Switzerland

Telephone: (022) 788.62.33 Fax: (022) 788.62.45  e-mail: info@eaford.org

www.eaford.org

 

 

شروط فشل المشروع الصهيوني من منظور واضعيه

د. أنيس مصطفى القاسم[1]

 

مقدمة

 

ما ضاع حق وراءه مُطالِب. قد تطول المطالبة وقد يتكبد المُطالِبُ المشاق، وتواجهه الصعوبات، وقد تكون المطالبة باهظة التكاليف، ولكن الحق سيعود اذا واظب المُطالِبُ في طلبه ولم ييأس ويستسلم لاغتصاب حقه. هذا صحيح بالنسبة للافراد، وهو صحيح بالنسبة للقضايا العامة، وخاصة قضايا التحرر الوطني. فهذه القضايا عدوها الأول، عدوها القاتل، هو اليأس من امكانية استرداد الحق المغتصب والاستسلام لواقع الاغتصاب.

 

وقد أدرك منظروا الحركة الصهيونية والناشطون فيها هذه الحقيقة، وتحدثوا بمنتهى الصراحة عن طبيعة مشروعهم والعوامل التي تضمن له النجاح والبقاء، وكذلك العوامل التي تؤدي الى إفشاله. فهو ينجح اذا استطاع أن يفرض اليأس في نفوس الفلسطينيين والعرب عامة من امكانية مقاومته، ويفشل أذا لم يستطع ذلك. وفي هذا المقال نستعرض موقف واحد من أخطر قادة الحركة الصهيونية والذي سارت الحركة ووليدتها اسرائيل وفق المنهج الذي وضعه.

 

طبيعة المشروع الصهيوني في نظرهم

 

عندما بدأ الغزو الصهيوني لفلسطين كان قادة الحركة الصهيونية يدركون تماما أن مشروعهم مشروعٌ استعماري استيطاني. وقد حلل ذلك فلادميرجابوتنسكي ، الزعيم الصهيوني الذي ورث تفكيرَه حزبُ الليكود وشارون ونتنياهو، بل والمؤسسة والأحزاب الصهيونية بكاملها وعلى اختلاف مشاربها بعد قيام اسرائيل، وجاء هذا التحليل في مقال نشره في برلين في 4 نوفمبر عام 1923 ، بعنوان "الجدار الحديدي: نحن والعرب"[2]، وجهه بشكل  خاص لقادة من الحركة الصهيونية فند فيه ادعاءهم بأنهم يستطيعون اغراء الفلسطينيين للموافقة على المشروع الصهيوني بمنافع مادية لهم زعموا بأنها ستترتب على المشروع الصهيوني. والجدار الحديدي هو ذلك النهج الذي يجب أن تسير عليه الحركة الصهيونية لحماية مشروعها، وهو نهج طرحه في مقاله، انطلاقا من اعترافه بأن المشروع  الصهيوني مشروع استعماري استيطاني، ومن أنه، نتيجة لطبيعته هذه، سيُواجَهُ بمقاومة من الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، وأن هذه المقاومة ستستمر الى أن يستولي اليأس على النفوس. ويؤكد جابوتنسكي أن التاريخ ومسيرة الشعوب كانت دائما في هذا الاتجاه، فما من شعب احتل غزاةٌ أرضه الا وقاوم الاحتلال واستمر في هذه المقاومة الى أن تخلص من الغزاة، وأفشل المشروع الاستعماري الاستيطاني، ما لم يبلغ هذا الشعب حد اليأس المطلق، كما حصل مع السكان الاصليين في القارة الامريكية.  لقد كتب جابوتنسكي هذا والاستعمار الغربي كان ما زال في أوجه. ومما يسجل له أنه كانت له نظرته الثاقبة وصدقه في المصارحة بطبيعة المشروع الصهيوني، وأن الشعب الفلسطيني لن يغريه أي تحسن في أوضاعه المعيشية للموافقة على هذا المشروع.

 

حماية المشروع من الفشل

 

وكما أصاب جابوتنسكي في تشخيص طبيعة المشروع الصهيوني، فانه أصاب أيضا في تشخيص ما يؤدي الى حمايته أو افشاله. أما الحماية، وهي "الجدار الحديدي" ، فتأتى من ضمان التفوق الدائم في القوة التي لا يستطيع العرب قهرها، ويكون ذلك (أولا) بالتحالف باستمرار مع دولة عظمى قادرة على فرض ارادتها وحماية المشروع الصهيوني، و(ثانيا) ببناء القوة الذاتية التي يكون في مقدورها مواجهة المقاومة المنتظرة. وسارت الحركة الصهيونية في هذا النهج، فتحالفت مع بريطانيا أولاً، وفي أثناء الحرب العالمية الثانية حرصت على ابقاء علاقاتها وتعاونها قائمين مع المانيا النازية[3]، بالرغم من اضطهادها لليهود، ثم نقلت تحالفها الاساسي الى أمريكا، وهاهي الآن تسعى لإقامة تحالف مع القوتين العالميتين القادمتين، الهند والصين.

 

هذا من ناحية توفير الحماية الخارجية. ومن الجهة الاخرى فقد استغلت نفوذها داخل أمريكا وفي  الغرب بصفة عامة لبناء قوتها الذاتية في مجالات متعددة، بحيث أنها ضمنت تفوقاً ذاتيًا على الدول العربية مجتمعة، وأقامت مشروعها النووي ليوفر لها قوة الردع الذاتية حتى لو وقفت وحدها.

 

تيئيس الأنظمة العربية

 

 كان من نتائج توفير هذين العاملين، التحالف مع الدولة العظمى وتطوير القوة الذاتية واستغلالهما من جهة، وتعامي الأنظمة العربية عن طبيعة المشروع الصهيوني وما كان يتوجب عليها اتخاذه من خطوات مشتركة لافشاله من جهة أخرى، أن استطاعت اسرائيل تيئيس معظم الانظمة العربية من جدوى المقاومة أو امكانيتها، وجعلتها تخطو خطوات تعبر في دلالاتها على حالة اليأس هذه. فكان الاعتراف الرسمي وغير الرسمي، والتطبيع الرسمي، واغلاق ملف المقاطعة العربية وملف معاهدة الدفاع العربي المشترك، ومحاولة قمع التحركات الشعبية الرافضة للتطبيع، والتضييق على المقاومة الفلسطينية، بل والتحالف غير المعلن عربيا في مقاومة ما يسمى بالارهاب، وهو تعبير شمل حزب الله وحماس، والاستعداد لفبول مظلة نووية اسرائيلية لتوفير الحماية لبعض الانظمة العربية، ووصل الحال الى تخلي بعض الأنظمة حتى عن واجبها الأول وهو حماية أرضها وشعبها من الاعتداءات الاسرائيلية، والقائمة تطول. وانتهى الأمر بالأنظمة العربية مجتمعة الى تبني مبادرة تعطي الشرعية للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني. والتزمت الانظمة العربية التزاما لا نظير له ليس فقط بما تعهدت به، وإنما أيضاً بالمواقف الاسرائيلية، وليس ادل على ذلك من تعامل هذه الأنظمة مع حزب الله وحماس، ومن تخلفها حتى في الدفاع عن القدس التي يجري تهويدها وفق خطط متسارعة، ناهيك عن رفع الحصار الجائر عن الشعب الفلسطيني في عزة والتحرك الفاعل لوقف المحرقة التي ترتكب هناك.  

 

وتتذرع بعض هذه الأنظمة لتبرير مزاقفها بما تسميه بالتزاماتها التعاقدية مع اسرائيل. وهذه حجة يأس اصيبت به هذه الأنظمة شل ارادتها وقدراتها، حيث أنه، من الناحية القانونية، توجد الى جانب هذه الالتزامات التعاقدية التزامات تعلو عليها، وهي ضمان احترام القانون الدولي، وفي مقدمته المبادئ التي نص عليها ميثاق الامم المتحدة، واحترام القانون الدولي الانساني والالتزامات التي نصت عليها اتفاقية جنيف الرابعة والتي تلزم جميع الدول، ليس فقط باحترامها، وانما تلزمها ايضا بضمان احترام الدول الأخرى الأطراف فيها لتلك الالتزامات. وجميع الدول العربية والاسلامية أطراف في هذه الاتفاقية كما أن اسرائيل طرفٌ فيها، كما أن هناك فتوى محكمة العدل الدولية حول شرعية الجدار الذي تقيمه اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وهي فتوى تحدد التزامات على جميع الدول لانهاء جميع الممارسات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة. وواضح من هذا  أن الأنظمة العربية تعتبر نفسها ما زالت قاصرة لم تبلغ الرشد كدول ذات سيادة، ولهذا نراها دائما تهيب بالمجتمع الدولي لمواجهة التصرفات الاسرائيلية، وكأنها ليست جزءاً من هذا المجتمع.

 

محاولة تيئيس الشعب الفلسطيني والشعوب العربية

 

بقي على اسرائيل أن تُئيِّسَ الشعب الفلسطيني وبقية الشعوب العربية، فتوجهت حتى قبل قيامها للعنف والارهاب لتطهير فلسطين من سكانها العرب لضمان أغلبية سكانية في فلسطين من جهة، وابعاد الفلسطينيين عن جبهة المواجهة المباشرة من جهة أخرى. وسارت على نفس النهج بعد قيامها وبعد احتلال الضقة والقطاع، وبلغ الأمر حد تنفيذ "المحرقة" التي هدد بها  نائب وزير الدفاع الاسرائيلي ابتداء من 28 فبراير 2008 ، فانضم الطفل محمد البرعي والرضيعة ملك ذات اليومين وغيرهما من الأطفال الى القائمة التي يرأسها محمد الدرة. كل هذا يجري على  أمل تيئيس الفلسطينيين من امكانية المقاومة والوصول بهم الى أوضاع تماثل أوضاع الهنود الحمر في الولايات المتحدة الامريكية، أو الى مرحلة من اليأس تضطرهم الى هجرة شبه جماعية أو تهجير يخلي الأرض والوطن للمشروع الصهيوني.

 

وسارت اسرائيل مسيرة مشابهة ضد من صمد من الفلسطينيين في الداخل. فمصادرة أراضيهم لم تتوقف، كما لم تتوقف الممارسات العنصرية، بل والقتل العشوائي. وها هي أحزاب في داخل الحكومة تتبنى سياسة طرد هؤلاء الفلسطينيين أو التخلص منهم بأية وسيلة خوفا من أن يختل التوازن السكاني وتفقد اسرائيل أغلبيتها اليهودية، وتحسبا لهذا بدأت بالمطالبة بالاعتراف بها فلسطينيا وعربيا بأنها دولة "الشعب اليهودي".

 

أما الشعوب العربية فقد كانت فاعلة في النضال الفلسطيني الى أن أخرجتها الأنظمة من ساحة النضال المباشر. وقد فشلت جميع هذه المحاولات في تيئيس الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى حتى الآن، وجاء الرد بتيئيس مضاد.

 

التيئيس المضاد

 

الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية لم تيأس، وردت بحملة تيئيس مضادة، تيئيسٍٍ للمشروع الصهيوني من أساسه. فهناك على الصعيد الفلسطيني أولا صمود الأهل في الارض، في الضفة والقطاع وفي الداخل، بالرغم من كل المعاناة. وهناك ثانيا تواصل الصمود والمقاومة جيلا بعد جيل، مما أسقط التوقعات الاسرائيلية بأن المقاومة ستموت بعد موت الجيل الذي عاصر النكبة وبعد تشتت نسبة كبيرة من ابناء الشعب الفلسطيني في بقاع الارض، وهناك ثالثا استعداد الاجيال المتعاقبة من أبناء هذا الشعب لتقديم التضحيات ومواجهة الاحتلال مهما غلى الثمن وطالت المواجهة. انهم باقون في الارض وفي المواجهة في مسيرة دفاع عن الارض والوطن استمرت قرنا من الزمان دون أن تتوقف، مسجلين بذلك أطول مواجهة مع الاستعمار في تاريخ البشرية.

 

هذا من الجانب الفلسطيني. وعلى جانب الشعوب العربية فقد رفضت هذا الشعوب التطبيع وقامت بالمقاطعة الشعبية، ونزل الجيل الجديد من الشباب يخوض معارك الانترنت ومعركة المقاطعة.وانت مظاهرات الملايين، وذلك التحرك الرائع من الشعب المصري الاصيل، بالرغم من الاقلام ولتعليقات النشاز والتمسح بالاتفاقيات والسيادة، عندما فك التحرك الشعبي الفلسطيني في قطاع غزة الحصار بفتح الحدود مع مصر رغما عن اسرائيل. وكان هناك البطل لاعب الكرة محمد بوتريكة. وهاهي الالاف من أقصى المغرب الى أقصى المشرق تنطلق منددة ومُطالِبة. الشعب العربي لم يهزم ولم ييأس.

 

ثم كان هناك الحدثان الذان هزا الجدار الحديدي من اساسه: أولاهما حرب اكتوبر المجيدة عام 1973 التي أثبتت أن الجيش العربي النظامي، وهو المصري في هذه الحالة، قادر ليس فقط على الردع وانما على تحقيق الانتصار الكاسح أيضا، مؤكدا بذلك بأنه لا مبرر لليأس الرسمي بشرط أن يتوفر الاعداد السليم. ولا ينتقص من هذا الانجاز العظيم أن السياسة لم تستثمره استثمارا سليما. أما الهزة الثانية فكانت شعبية هذه المرة تمثلت في ارغام اسرائيل للانسحاب من لبنان دون اتفايات أو اعتراف، ثم ذلك النصر الحاسم الذي حققه أبطال حزب الله في حرب تموز 2006 ، وفي ايصال المعركة الى عمق اسرائيل.

 

وقد بدأت حملة التيئيس المضاد هذه في اعطاء ثمارها. فالأمن الذي كان يحس به الاسرائيلي قد تزعزع، وتزعزعت معه الثقة في قدرة الجيش الاسرائيلي على توفير الأمن والاطمئنان، فاهتزت بذلك قدرة المشروع الصهيوني على اجتذاب المهاجرين وضمان بقائهم. لقد ثبت أنه لم يعد أي مكان آمنا. وقد حملت الانباء أخبار الاسرائيليين الذين بدأوا يشترون البيوت في جزيرة قبرص ليفروا اليها في أية مواجهة قادمة، كما أن الهجرة الى اسرائيل قد أصبحت في أزمة حقيقية، ناهيك عن الهجرة المضادة. وللمرة الاولى منذ قيام اسرائيل يتكاثر عدد العازفين عن الخدمة العسكرية أو الفارين منها، ويلجأ القادة العسكريون لأول مرة الى القيام بحملات لمواجهة هذا التطور الخطير.

 

ومع أن صواريخ المقاومة الفلسطينية بدائية ومن صنع محلي ولم تحدث من الاضرار والاصابات شيئا ذا خطورة، الا أنه من الواضح أنها تقلق المسئولين والمواطنين الاسرائيليين على حد سواء. وهذه الحملة المسعورة التي تقوم بها اسرائيل على قطاع غزة أكبر دليل على ذلك. ولا تخفي الصحافة الاسرائيلية الحديث عن الرعب والقلق داخل المجتمع الاسرائيلي، وهو قلق ورعب عبر عنه استطلاع للرأي العام الاسرائيلي في الاسبوع الماضي كانت نتيجته مؤرقة لحكام اسرائيل حيث أن 64% من الاسرائيليين أيدوا التفاوض مع حماس لوقف هذه الصواريخ التي وصفها البعض بأنها "عبثية" و"كاريكاتورية". وها هو رئيس بلدية سديروت، المدينة التي سقطت فيها صواريخ فلسطينية عديدة (دون أن توقع اصابات)، قد أعلن صراحة أنه يريد عقد هدنة مع حماس، وكذلك فان الاسرائيليين قد بدأوا يرحلون عن المدن والمواقع التي هي في مرمى هذه الصواريخ. وبدأت الصحافة الاسرائيلية بالحث على ابرام اتفاق سلام مع حماس يقضي بالعودة الى حدود عام 1967، كما انها تتحدث عن العبء الثقيل الذي خلفته سياسة اقامة المستوطنات. فماذا سيحدث اذا تحرك الالاف في اتجاه هذه المستوطنات؟

 

هذا ما تخشاه الصحافة الاسرائيلية، في ضوء ما حدث من اقتحام الحدود عند معبر رفح. فقد بدأت هذه الصحافة تكشف عن القلق العميق والارتباك لدى الجيش الاسرائيلي وصناع القرارحول احتمال قيام الفلسطينيين بتحركات شعبية كثيفة سلمية غير عنفية في اتجاه الحدود مع اسرائيل والحواجز التي قالت عنها الصحافة الاسرائيلية بأنها ستتحول الى متاريس للزاحفين في مواجهة جنود يسيطر عليهم الخوف. وماذا لو جاءت انتفاضة العائدين، سلمياً ودون عنف، صوب حدود الوطن؟  هذه انتفاضات ما زالت في الانتظار، ولكن اسرائيل تتوقعها وتخشاها، خاصة اذا كانت سلمية، وهذا ما نصر عليه ونؤكده. انه الطوفان الذي تتحسب له اسرائيل. وهذا النوع من المقاومة السلمية هو ما يجب أن يقوده رجال السلطة بدلا من أن يقبعوا في مكاتبهم عاجزين يتفرجون على ضياع الحقوق واسرائيل تخلق وقائع جديدة على الارض. لقد حاول ذلك الدكتور مصطفى البرغوثي عندما كان وزيرا للاعلام في وزارة الوحدة الوطنية، وجاء من خلفه ليبرر لاسرائيل محرقتها في قطاع غزة. يا للعار.

 

 

 

إن الأثر الذي تحدثه المقاومة لا يقيسه الاسرائيليون فقط بمقياس الدمار المادي أو البشري، وانما يقيسونه بما هو أهم، وهو مقياس عنصر الأمان الذي وعد به المشروع الصهيوني، والذي لولاه لما كانت هناك هجرة، ولما قامت اسرائيل اصلا. إنه الجدار الحديدي الذي بدأت اساساته في التآكل، نتيجة للتيئيس المضاد الذي بدأ يشق طريقه.

 

العنصران الشعبيان اللذان ما زالا في حاجة الى تفعيل أكبر كعنصرين من عناصر التيئيس المضاد هما (أولا) التحرك الشعبي على مستوى العالمين العربي والاسلامي بشكل يحل عقدة اليأس التي أستولت على معظم الأنظمة العربية، و(ثانيا) المزيد من التحرك الشعبي العربي والاسلامي داخل منظمات المجتمع المدني الأجنبي وإيصال الرسالة الصحيحة لها.

 

على منظمات حقوق الانسان العربية والاسلامية أن تضاعف من نشاطها مع منظمات حقوق الانسان الدولية، وداخل المجتمع الدولي. فالأبواب ليست موصدة وانما تحتاج الى من يدق عليها وفقا لأساليبها. وها هي أمثلة قليلة مما حققه هذا النوع من التحرك. لقد استطاعت حركة رفع الحصار عن غزة أن تجند مظاهرات في أكثر من خمسين عاصمة قي يوم واحد ضد هذا الحصار، واستطاعت منظمات حقوق الانسان الفلسطينية الى فرض حصار فعال على تحركات القادة العسكريين والسياسيين الاسرائيليين خوفا من القبض عليهم ومحاكمتهم أمام المحاكم الاجنبية بتهم ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية، كما أن حركة المقاطعة التي تقوم بها هذه المنظمات الفلسطينية على نطاق دولي، قد بدأت هي الاخرى تؤتي ثمارها. فهذه الجامعات البريطانية تفرض مقاطعة على الجامعات الاسرائيلية، وهذه اتحادات عمال اجنبية قد بدأت في فرض مقاطعة للبضائع الاسرائيلية، سابقة بذلك اتحادات العمال العربية والاسلامية، وهاهي اسرائيل قلقة الآن بالنسبة لما كانت تمارسه من شبه احتكار في الجامعات الامريكية. وبقدر ما يبذل من جهد واع تأتي النتائج. لقد بدأت الهيمنة الاسرائيلية في التراجع، بدليل العدد الكبير من الكتب والدراسات التي ظهرت في الآونة الأخيرة سواء في أوروبا أو أمريكا وكلها تكشف حقيقة المشروع الصهيوني  وحقيقة اسرائيل. لقد تحرر الكثيرون من الخوف من الاتهام بمعاداة السامية اذا هم انتقدوا اسرائيل أو الحركة الصهيونية، فصاروا يكتبون الحقيقة.

 

من المهم في حملة التيئيس المضاد هذه أن تكون واعية لهدفها ومنسجمة مع تراثنا وقيمنا وديننا. فعليها مثلا أن يُؤكد بشكل دائم وقاطع بأنها ليست حملة ضد اليهود بصفتهم هذه، وانما هي حملة ضد المشروع الصهيوني الاستيطاني. أما اليهود أنفسهم فقد كانوا مواطنين في الاقطار العربية والاسلامية قرونا عديدة، وما زال كثير منهم كذلك حتى اليوم، وكان الوطن العربي ملجأهم من الاضطهاد أينما حل بهم، وباستطاعتهم أن يعيشوا مواطنين في أي قطر عربي وفي فلسطين ذاتها بعد تفكيك المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي نفذته الحركة الصهيونية التي شَخَّصها الكاتب البريطاني (ألان هارت) في مجلديه الضخمين اللذين يحملان عنوانا له دلالته العميقة "الصهيونية العدو الحقيقي لليهود". 

 

مؤدى هذا أن المقاومة العربية والفلسطينية والاسلامية، بمختلف أشكالها، وحتى مع وجود حالة اليأس الرسمي، قادرة على احداث شروخ حقيقية في "الجدار الحديدي"، وبدلا من أن يدب اليأس في نفوس الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الاخرى، فان حملة التيئيس المضاد قد بدأت تفعل فعلها، ويجب مواصلتها وتعميقها. ليس معنى هذا أن المشروع الصهيوني قد شارف على الانهيار، أو أن القائمين عليه سيقصرون في الدفاع عنه، ولكن معناه على الأقل أن مقاومته ممكنة وأن أعراض فشله قد بدأت في الظهور. وطبيعة الاشياء تفرض عليه الفشل، بشرط أن يتحصن الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية والاسلامية بالافعال الواعية الهادفة ضد اليأس ويواصلوا حملة التيئيس المضاد بمختلف أشكالها.    

 

 

 

 


 

[1]  رئيس اللجنة القانونية سابقا في المجلس الوطني الفلسطيني

 

[2]  أنظر مقال جابوتنسكي في : The Iron Wall: We and the Arabs in 51 Documents: Zionist Collaboration with the Nazis, ed.: Lenni Brenner, (2002) p. 32

[3]  يحاول الصهيونيون هذه الايام شطب هذه المرحلة من تاريخ الحركة الصهيونية، غير أنها مرحلة موثقة. انظر الوثائق في المرجع سالف الذكر.