THE INTERNATIONAL ORGANIZATION FOR THE ELININATION OF ALL

FORMS OF RACIAL DISCRIMINATION { EAFORD }

5 route de Morillons,  CP 2100.  1211 Geneva 2, Switzerland  Tel: 788.62.33  Fax: 788.62.45

email :  info@eaford.org                             

مذكرات شخصية:

دورة "المنتدى العالمي العام" عن "حوار الحضارات"

رودس: 27- 30 /9/2006.

مقال بقلم:

الدكتور جورج جبور

عضو مجلس الشعب السوري

رئيس الرابطة السورية للأمم المتحدة

 

المحتويات: 

أولاً: "ما هو المنتدى العالمي العام"؟                         

ثانياً: ماذا فعلنا؟ مسودة البيان النهائي.                          

ثالثاً: ماذا فعلنا؟ الاحتلال الاسرائيلي وكيف عولج؟        

رابعاً: لماذا يحب الأوروبيون إخفاء الصفحة الأولى  من تاريخ أوروبا  والمسيحية السوري.                

خامساً: ماذا فعلنا؟ محاضرة البابا بندكتوس وتجديد  فكرةالغفران المتبادل. 

سادساً: وكان لنا من كل واد عصا. 

سابعاً: ملاحظات ختامية.

رودس 2  تشرين الأول (اكتوبر) 2006.

 

مذكرات شخصية:

دورة "المنتدى العالمي العام" عن "حوار الحضارات"

رودس: 27- 30  /9 /2006

 الدكتور جورج جبور 

أولاً: "ما هو المنتدى العالمي العام"؟ 

إنه منتدى روسي في قيادته وفي معظم تمويله، والشخص الأول فيه رجل أعمال روسي هو فلاديمير ياكونين الذي يقال أنه مقرّب من الرئيس بوتين، رئيس الاتحاد الروسي. بل هو مقرّب جدّاً من الرئيس. وقد سرت في الدورة الأخيرة للمنتدى، التي عقدت بين 27 و30 /9/ 2006 في جزيرة رودس، سرت "خبرية" مؤداها  أن السيد ياكونين، رئيس المنتدى، قد غادر رودس لمدة ساعات التقى فيها الرئيس بوتين. وسألت السيد ياكونين عن جلية الخبر فأكده، شارحاً أنه لم يغادر إلى موسكو ويعود منها أثناء المؤتمر، بل غادر إلى سوتشي على البحر الأسود وعاد منها. أما مدة الطيران ذهاباً من رودس إلى سوتشي وإياباً منها فليست سوى ساعتين. إذن، فلنضع في حسابنا أننا نتعامل مع هيئة غير حكومية إلا أن صلة رئيسها برئيس روسيا صلة وثيقة.

وتتجلى الصلة الوثيقة على نحوِ آخر. بين المساهمين- وهم بالمئات- كان ثمة عدد لابأس به من الدبلوماسيين الروس ذوي الرتبة العالية. سفيرا روسيا في الأردن والسودان كانا هناك. وعدد من ديبلوماسيي الإدارة المركزية في الخارجية الروسية على رأسهم السيد سلطانوف- نائب وزير الخارجية، الذي قال في كلمة له لدى ختام الدورة أنه يشعر بشيء من الحرج، فهو نائب وزير وهو في الوقت نفسه ضمن منظمي الدورة ومسؤوليها الكبار، وهي الدورة التي تضطلع بها منظمة غير حكومية.

وإلى جانب السيد ياكونين في قيادة المنتدى ثمة شخصان قياديان عرفتهما في دورة العام الماضي: نيكولا بابانيكولاو وهو رجل أعمال يوناني، وج. كابور وهو عالم ورجل أعمال هندي متقاعد. ولهؤلاء الثلاثة، ياكونين وبابانيكولاو  وكابور صدارة الدورة.

وثمة مركز قوة آخر في المنتدى والدورة تحدثت عنه كثيراً في مقالين عن دورة العام الماضي نشرتهما تشرين (/23/ و 26 /10/ 2005). مركز القوة هذا هو الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.

في مؤتمر العام الماضي كان حضور "أصحاب الثوب" – أي رجال الدين، ومعظمهم مسيحيون- أكثر كثافة. وفي مؤتمر العام الحالي انخفضت نسبة أصحاب الثوب من رجال الدين المسيحيين إلى حد لافت. إلا أن نسبة إسهام أصحاب الثوب من رجال الدين المسلمين كانت أكثر انخفاضاً وربما عاد ذلك إلى أن المؤتمر عقد خلال شهر رمضان المبارك. الأبرز بين رجال الدين المسلمين كان فضيلة الشيخ تسخيري، من ايران، نائب رئيس اتحاد علماء المسلمين ومسؤول رابطة التقريب بين المذاهب الإسلامية.

وجه الدعوة التي وردتني في العام الماضي المركز الوطني لمجد روسيا. أما دعوة هذا العام فأتت من المنتدى العالمي العام- وقد أخبرني صديق أثق به أن موقع المنتدى على الإنترنت يتبنى بالعربية تعبير المنتدى العالمي الشعبي. اسم المنتدى  بالانكليزية هو World Public Forum-. ما قصة تحول المركز إلى منتدى؟ ما تاريخ المركز ثم المنتدى؟ لا أدري. لكن مسودة البيان النهائي للدورة الرابعة للمنتدى- وسآتي إليها  بعد قليل- ، وقد وزعت علينا قبيل اختتام الدورة بدقائق، تذكر أن المشاركين "لاحظوا بارتياح... أن "المنتدى العالمي العام، حوار الحضارات" قد تمت عملية تسجيله بنجاح كمنظمة دولية غير حكومية" (أين تم التسجيل؟ لم يذكر المكان) - وهكذا، كما تقول المسودة، " فإن المسيحيين والمسلمين واليهود والهندوس وممثلين من ديانات أخرى ومن قيادات عالمية مختلفة، قد تجمعوا  ليؤكدوا على تعاون متحرر من الحواجز التقليدية ثقافياً وسياسياً، وأثبتوا أن ذلك ممكن." وتذكر المسودة أن أكثر من /500/ شخص من أكثر من /50/ دولة ساهموا في الدورة. وانتهت الدورة ولم تصلنا قائمة بالأسماء.

ما مغزى هذه المقدمة التعريفية الطويلة؟ المغزى واضح لي ولغيري ممن تحدثت معهم من المشاركين بشأن ظاهرة المنتدى: تود روسيا، حكومة وكنيسة أرثوذكسية ورجال أعمال ونافذين، أن يكون لها حضورها البارز في مجال تلاقح الأفكار العالمي، وهو مجال تميز به الغرب منذ عقود. روسيا المتألمة من تجربة صعبة مرت بها خلال ما يقرب من عقدين، المتحاملة على آلامها والناهضة على هيئة قوة دولية تجدد فتوتها، روسيا هذه تيقظت إلى أهمية المنظمات غير الحكومية الدولية، وقررت أن تخوض غمار ذلك المحيط بعزم وتصميم وقوة ظاهرة باهرة.

 

ثانياً: ماذا فعلنا؟ مسودة البيان النهائي:

 

لم يعلن مسؤولو الدورة عن تشكيل لجنة لصياغة البيان النهائي، ولم يطلبوا إلى المشاركين تقديم اقتراحاتهم. إلا أننا تلقينا، قبيل اختتام الدورة ظهر 30/ 9/ 2006 بياناً نهائياً بالنتائج. ولكي يكون الأسلوب ديموقراطياً، فقد وصف السيد ياكونين رئيس الدورة  البيان بانه مسودة تقبل أن يعدلها المنظمون بناء على اقتراحات المشاركين التي سترسل مٍن بَعدُ وعن بُعدِ، وفترة إرسال اقتراحات التعديل تمتد لشهر من  تارخ اختتام الأعمال. مسؤولو المنتدى سيعيدون الصياغة النهائية بعد ان يقبلوا ما يصح- لديهم-  قبوله، ويرفضوا ما لا يصح قبوله.

ويثور السؤال: هل هذا الأسلوب متناسب والديموقراطية؟ ويثور سؤال ثانِ: ثم ما أهمية  البيان الختامي في صعيد سياسة العالم وتلاقح الأفكار فيه؟ والسؤالان مفتوحان على مختلف أنواع الإجابات. إلا أن ثمة ما لا ينبغي أن يغيب عن الذهن: ثمة نفوذ للمنتدى لدى الحكومة الروسية على الأقل. ومن هنا يقتضي منا الواجب ألاّ نأخذ ببساطًةٍ إمكانية تعديله، ويقتضي أيضاً أن أورد أدناه كل ما في مسودة البيان، وهو في كل حال مختصر، وسأزيده اختصاراً.

في ديباجة المسودة كلام عن ضرورة وضع جدول أعمال للتفاعل الحضاري كوسيلة لتجاوز النزاعات التي تتكشف، وعلى نحو تصاعدي، عن خلفيات إثنية وثقافية وحضارية. ثم يأتي الحديث عن سبع نقاط (والترقيم من عندي وليس في المسودة) كما يلي:

1- التأكيد على أهمية دور الدول. وأعلق: هذه نقطة هامة تكشف عن مدى تمسك المنظمة الروسية غير الحكومية الأولى بدور الدولة.

2- التأكيد على دور الديانات كعامل للسلم، بعد أن لاحظ المشاركون استغلال العواطف الدينية لغايات سياسية. وأعلق: من الجميل أنه لم يرد هنا ما يشيرإلى تطرف إسلامي أو إرهاب إسلامي. وهذا حق، إلا أنه موقف فاضل في وقت يتحدث

فيه الرئيس بوش عن إسلاميين فاشيين.

3- الاهتمام بمسائل الهجرة التي لاحظ المنتدى أن العمل ألايجابي إزاءها يعتمد على القيام بمحاولات متكاملة من أجل التعايش السلمي بين مجتمعات من مشارب ثقافية ودينية وعرقية متعددة.

4- التأكيد على أهمية مقاومة كل محاولة لفرض النمطية، وعلى دور التعاون الاقتصادي والمناقشات السياسية في توسيع التفاعل بين الحضارات المتعددة. وأعلق: هذا كلام جميل يلح عليه مقاومو العولمة التي هي في  بعض مظاهرها

أمركة أكثر منها عولمة.

5- وأترجم حرفياً هذه الفقرة الهامة جداً لنا من حيث أننا عرب. نص الترجمة: "لدى بحث نماذج التحديث المتنوعة في الشرق الأوسط، أشار مشاركو المنتدى إلى غياب الأنموذج العام للتنمية في المنطقة، ذلك الأنموذج الذي يمكن له أن

يخفض من إمكانيات الصراع في الشرق الأوسط. وفي الوقت  نفسه ذكر المشاركون عدداً من الأوجه الايجابية التي يمكن لها أن تفتح  طريق  De-block  الوضع السياسي الراهن في الشرق الأوسط في المستقبل القريب". وأعلق:

سوف أتحدث عن هذا الأمر بشيء من التفصيل في مكان لاحق. أكتفي الآن بالقول أنه غاب في هذه الفقرة  ذكر احتلال اسرائيل لأراض فلسطينية وسورية ولبنانية.

6- المناداة بتعليم الشبيبة ثقافة الحوار وضرورة إشراكهم في المؤتمرات الدولية الخاصة بالحوار كي يتم تحررهم من النمطية في نظرتهم إلى الآخر المختلف.

7- التأكيد على أهمية  "التعاون العريض بين المنظمات   السياسية الدولية القائدة، والكيانات العامة، والشخصيات الدينية، ومراكز البحوث المختلفة" من أجل النهوض بمبادرات في حوار الحضارات قائم على القيم الأصيلة في ذلك

الحوار.

8- تلكم هي النقاط التي وردت في مسودة البيان النهائي، وأعطيت لنا مهلة شهر لتقديم اقتراحات بشأن تعديلها. وبدوري أدعو القراء الكرام إلى التقدم باقتراحاتهم عبر هذه الجريدة أو عبر أية سبل أخرى، لكي يتم اطلاع مسؤولي المنتدى

العالمي  العام على ردود الفعل التي تثيرها النقاط السابقة.

 

ثالثاً:  ماذا فعلنا؟ الاحتلال الاسرائيلي وكيف عولج؟

 

تركز الوقت المجدي للمؤتمر في يومين ونصف. في اليوم الأول الخميس 28/9/ 2006 كانت الجلسة العامة الأولى. وفي اليوم الثالث السبت 30/9/ 2006 كانت الجلسة العامة الثانية والأخيرة. إلى جانب الجلستين العامتين كان ثمة يوم ونصف من عمل اللجان الثماني، ومنها لجنة عنوانها "الشرق الأوسط: ضرورات التحديث والتنمية  المتعددة  الخيارات.

في الكلمات الكثيرة التي شغلت الجلسة العامة الأولى لم يأت أي ذكر لمسألة الاحتلال الاسرائيلي. ركزت الكلمات على أمور كثيرة في حوار الحضارات أهمها العلاقة بين الديانات والارهاب. وحين تكلمت في تلك الجلسة، وكنت أول عربي يتحدث فيها، ركزت على موضوع العلاقة بين الاحتلال والارهاب  وما ينتج عنه من مقاومة تصورها القوة القائمة بالاحتلال على أنها إرهاب. وطالبت بالتفريق بين مقاومة الاحتلال وبين الارهاب. واسفت لأن أيّاً من الذين تحدثوا قبلي  لم يقف عند أهم مشكلة تشغل الشرق الأوسط وهي الاحتلال الاسرائيلي، وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني.

إلا أن البحث الأهم في موضوع الاحتلال الاسرائيلي إنما كان مساء يوم الجمعة 29/9/ 2006، وكان قد سبقه بيوم واحد، الخميس 28/9/ 2006، عرض لفيلم عن الجولان بعنوان مرتفعات الجولان: الحقائق والأوهام". أحضر الفيلم معه الزميل الدكتور نصرالدين خيرالله  ابن الجولان الذي حدد لنفسه في الدورةهدفاً وحيداً هو إثارة موضوع الاحتلال الإسرائيلي  للجولان. يتحدث الفيلم عن تعاقب الحضارات في سورية وتلاقحها ثم ينتقل ليبحث في خفايا الصراع العربي ـ الاسرائيلي ومظاهره وتطوراته. كذلك يركز على مسألة احتلال الجولان وممارسات العدو الصهيوني ، تلك الممارسات الوحشية التي انتهت بتدمير مدينة القنيطرة قبل انسحاب اسرائيل منها بأيام . واختتم الفيلم بالتأكيد على أنه بدون عودة الحقوق إلى أصحابها وعودة الأراضي المحتلة فلن يمكن إقامة سلم عادل ودائم وشامل. وهنا لابد لي من أن أذكر أن السيدة هدى ماهر، زوجة الأستاذ أحمد ماهر، وزير خارجية مصر السابق، كانت الأكثر اندفاعاً بين العرب وأنصارهم في الإعداد لعرض الفيلم، حتى لقد تسبب اندفاعها العفوي العاطفي في إغراق عينيّ  (وربما عيون غيري) بدموع لم تهطل.

آتي إلى جلسة مساء الجمعة. لاريب أن نجم تلك الجلسة التي خصصت لمسألة الشرق الأوسط كان زميلي الدكتور خيرالله. عرض ابن الجولان  البار ملامح من حياته وملامح من تاريخ قريته الجولانية التي تعاقبت عليها الحضارات الإغريقية والرومانية والعربية الاسلامية والتي كملت الواحدة منها الأخرى. ثم أتى الاحتلال الاسرائيلي ليهدم  تراث  تلك الحضارات، وليقيم من حجارة القرية حصناً عسكرياً على تل الفرس وهو موقع مرتفع في القرية. كذلك أفاض الزميل الدكتور خيرالله، وبأسلوب مؤثر، في شرح الأساليب الارهابية التي اتبعها الاحتلال في طرد السكان وتهجيرهم من منازلهم وأراضيهم، بما في ذلك إطلاق النار على الأهالي، مما تسبب في قتل بعضهم وشل آخرين في محاولة سافرة لترويع الأهالي وإجبارهم على إخلاء منازلهم وأراضيهم. كذلك قدم صورة مشرقة للحاضر والمستقبل حين بين كيفية قيام أهالي القرية بإعادة إعمارها بعد تحرر جزء من أرضها وقال: "نقوم حالياً بإعادة اعمار القرية على الجزء المحرر منها ايماناً منا بأننا سنكون دائماً بناة حضارة عكس ما يقوم به الاسرائيليون  من تدمير الحضارات". وكان لكلامه أثر متميز مما حدا ببعض الصهاينة إلى الرد عليه، فانبرى لتأييده  عدد من الاخوة العرب المشاركين من الأقطار العربية كافة، مؤكدين جميعاً أن لا سلام مع الاحتلال، ولا سلام  دون إعادة الحقوق لأصحابها. وكانت لافتة في هذا المجال الكلمات المتزنة  فكرياً والملتزمة قومياً التي قالها الأستاذ أحمد ماهر، وزير خارجية مصر السابق ، الذي أعلن أن الاسرائيليين إنما يعيشون في حالة وهم إذا تصوروا أن الدول العربية وفي طليعتها مصر ستتخلى عن الحقوق الفلسطينية، وأنه يمكن تغييب إرادة الشعب الفلسطيني عن طريق اتفاقات اسرائيلية مع الحكومة المصرية أو مع الحكومة الأردنية.

وكان دوري في الجلسة التذكير ببعض الأمور. فقد ذّكّرت بكلمات الرئيس جورج بوش (الأب) إلى اسرائيل في آذار 1991 حين قال أن الأمن لا يأتي نتيجة الجغرافيا (في إشارة إلى مرتفعات الجولان) بل نتيجة حسن النية إزاء المجاورين. كذلك ذكرت أن الرئيس كلينتون في مذكراته المنشورة قال بصراحة أن محادثاته مع القائد الخالد الرئيس حافظ الأسد في جنيف (آذار /2000/) أثبتت له أن باراك، رئيس وزراء اسرائيل، لم يكن جاهزاً للسلم مع سورية. ثم إنني اقترحت على اللجنة الرباعية - وكان السيد سلطانوف نائب وزير الخارجية قد تكلم قبلي  مطالباً بالتركيز على المستقبل – تلك اللجنة المشكلة من روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة أن تهتم بإلزام  إسرائيل تطبيق القرار /497/ الصادر عن مجلس الأمن في 17/12 /1981  والقاضي بإلغاء قرارها بتطبيق قوانينها في الجولان. وقلت أن اتخاذ اللجنة الرباعية هذه الخطوة وإلزام اسرائيل بتنفيذها إنما يأتي في إطار تطبيق القرار /1701/ ويساعد على فتح باب لإخراج المنطقة من أزمتها. ثم  في جلسة ختام المؤتمر يوم السبت 30/9/ 2006 تحدث السيد سلطانوف، نائب وزير الخارجية، وكانت قد وزعت علينا قبل دقائق مسودة البيان النهائي. في كلمة السيد سلطانوف كانت ثمة إشارات واضحة إلى ضرورة معالجة أصل الصراع في الشرق الأوسط، أي مسألة الاحتلال- وإن لم يذكر ذلك التعبير- . أتى كلامه متوافقاً مع الرأي العربي في المؤتمر الذي استنكر خلو مسودة البيان من أية إشارة إلى أصل الصراع. وفي حديث لي مع السيد ياكونين إثر جلسة الختام سألته تعديل تلك الفقرة من مسودة البيان بما ينسجم مع كلمة السيد سلطانوف ووعد بأن يفعل. إلا أن التباين بين كلمة سلطانوف وبين لغة مسودة البيان تركني أتساءل: هل كان السيد سلطانوف غائباً عن صياغة مسودة البيان؟ أم أن ثمة تنسيق للتباين بن طرفين روسيين، بحيث تأتي وجهة النظر العربية غائبة في البيان المكتوب، وحاضرة  في الكلمة الشفهية التي ألقاها نائب وزير الخارجية؟ والسؤال هام وأضعه عبر هذه الجريدة  أمام  السيد ياكونين  وأرجو أن أسمع جوابه .

 

رابعاً: لماذا يحب الأوروبيون إخفاء الصفحة الأولى من تاريخ  أوروبا  والمسيحية  السوري؟

 

قبل أن أغادر دمشق إلى رودس ذكّرت منظمي الدورة برغبتي التي عبرت عنها في وقت سابق بأنني أود التحدث في الجلسة العامة الأولى- وهي الأبهى والأكثر مسموعية-. كان الجواب الأول: لقد وضعت أسمك على قائمة الانتظار. في الجلسة العامة الأولى أرسلت إلى السيد ياكونين تذكيراً بأنني أود أن أتكلم في الجلسة. واستجاب. كنت المتكلم العربي الأول، وحُدِدَت لي مدة دقائق خمس.

اخترت ثلاث نقاط للحديث الشفهي. كانت النقطة الأولى تذكيراً بأصل أوروبا السوري، فقد فاجأتني في معظم الكلمات التي ألقيت قبلي مركزية غربية شديدة، ومركزية أوروبية أشد، في وقت يريد المؤتمر فيه أن يعالج موضوع حوار الحضارات. هل يكون حوار الحضارات هذا إذن محاولة لسلب الحضارات غير الغربية من مقوماتها؟ هكذا اخترت في أول نقطة لي أن أذكر المشاركين بأن أوروبا إنما هي أميرة سورية كان والدها ملكاً لمدينة صور، وأنها كانت فتاة جميلة تُيِّمَ بها حبّّاً زيوس، رئيس آلهة اليونان، فاختطفها من سورية وذهب بها إلى أرض الشمال- وهي آنئذِ اليونان- فعرفت كل تلك الأرض وما وراءها باسمها أوروبا، مشكلة تلك القارة التي كان لها أن تتميّز. وتحدثت عن أن كثيراً من الإرث اليوناني الذي يفتخر به الغرب إنما أتى من بلادنا، من بلاد ما بين النهرين ومن بلاد الشام، ومن وادي النيل ومن شمال افريقيا الذي هو الآن المغرب العربي. وتحدثت عن تقدم الدراسات في حقل علمي يتألق يطلق عليه اسم  "أثينا السوداء" وهو حقل يبحث في الإرث الذي أخذته اليونان عن حضارات شعوب أقل ابيضاضاً من الإغريق.

أما النقطة الثانية التي أثرتها فقد سبقت الإشارة إليها وهي أن الاحتلال يولد المقاومة التي تريد قوة الاحتلال أن تصفها بالإرهاب. وكانت النقطة الثالثة عن العلاقة بين الحقيقة المطلقة التي يؤمن كل متدين بدين أنها ملك دينه، ملاحظاً أن البشرية قطعت في الأزمنة الأخيرة مراحل في سبيل الاقتناع بأن المؤمنين يقل تمسكهم بملكية دينهم الحقيقة المطلقة لصالح التقرب من مبادئ الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وأولها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولن أفصل القول في هذه النقطة الأخيرة فقد فعلت ذلك في محاضرة مطولة عن الموضوع ألقيتها في تونس (نيسان 2003) بدعوة من منظمة المؤتمر الإسلامي وكان عنوانها: "العلاقة بين الأديان: من الحرب إلى السلم." وبإمكان من يود من القراء الكرام العودة إلى نص المحاضرة الذي نشر في مجلة المشرق  اليسوعية العريقة (السنة /78/، كانون الثاني- حزيران 2004، ص. 85-94)، كما نشر في عدد من المجلات الإسلامية والمسيحية الأخرى.

أعود إلى نقطة أصل أوروبا السوري. ما أن خرجنا من الجلسة العامة الأولى إلى الاستراحة حتى كان ذلك الأصل مدار مناقشات واسعة شغلت بها مع المشاركين. بعضهم لم يسمع بتلك الأسطورة اليونانية ذات الدلالة. وبعضهم رأى أن اليونانيين، مضيفينا، لن يغفروا لي ذلك التذكير بأصل أوروبا. ومن عقال المناقشين من قال أنه كان عليّ أن أشير إلى أن أصل أوروبا فينيقي. وفي مناقشة مع السيد اوليفييه جيسكار ديستان، شقيق الرئيس فاليري، رئيس جمهورية فرنسا الأسبق ورئيس اللجنة التي وضعت مشروع الدستور الأوروبي، ذكرت له أنني طالبت شقيقه  الرئيس ديستانغ- عن طريق الصحافة السورية وبحثة الاتحاد الأوروبي في دمشق- بأن ينص مشروع الدستور الأوروبي على أصل اوروبا السوري، وأجاب الشقيق مفتخراً بأن مشروع الدستور ذكر عن دور "جيران أوروبا" في تطور أوروبا. لكنه عاد فقال أنه يتفهم وجهة نظري القائمة على أساس أن ذكر مشروع  الدستور لأصل أوروبة الآسيوي يقلل من حدة المركزية الأوروبية، وهو يوافقني الرأي في أن كسر هذه الحدة أمر مطلوب. إلا أن الرد الأهم عما قلت إنما أتى في الجلسة العامة الثانية والأخيرة من المؤتمر من قبل رجل الأعمال اليوناني، نيكولا  بابانيكولاو الذي وصفته بأنه من "أهل الصدارة" في المنتدى. وقع على رجل الأعمال أن يعلم أستاذ المذاهب السياسية في الدراسات العليا بكلية حقوق جامعة  حلب ما يعلمه أي طالب في مرحلة التعليم الأساسي في سورية بل وفي العالم من أن الأسطورة شيء والتاريخ الحقيقي شيء آخر. وهكذا ففي ختام الجلسة العامة الثانية أخذ بابانيكولاو يتحدث باستفاضة عن تاريخ اليونان الفكري وإبداعات اليونانيين لأنه شعر- كما قال- أنني أضعفت مكانة اليونان في تاريخ العالم عامة وفي تاريخ الفكر خاصة حين مزجت بين الأسطورة والتارخ الحقيقي. وكان وقت  الجلسة ضيقاً  فاعتذر مني السيد أتكوف- رئيس الجلسة عن عدم إمكانه إعطائي وقتاً للإيضاح.

إلا أن للمسألة بقية. في ندوتين تحدثت فيهما يوم الجمعة  29/9/ 2006 أبديت رأي في أن من يقرأ محاضرة قداسة البابا في 12/9/ 2006، تلك التي أثارت الجدل الواسع، يخرج بانطباعِ مؤداه أن المسيحية إنما ولدت في اليونان، وأن السيد المسيح إنما ولد في إحدى مدن الإغريق وليس في بيت لحم الفلسطينية. وتجدد بعد ذينك الحديثين النقاش عن أصل أوروبا والمسيحية السوري.

وأخذت حقاً أسائل نفسي بما أتساءل به الآن أمام القراء الكرام: لماذا يحب الأوروبيون ، ومعهم الغربيون عامة، إخفاء الصفحة الأولى من تاريخ  أوروبة والمسيحية السوري؟ أهي غطرسة قوتهم التي تحب حرمان الضعيف من تاريخه، وغطرسة قوتهم هي الوجه المقابل لضعفنا الذي لم نعالجه في معركة التنافس الثقافي العالمي؟ أم أن في الأمر ما هو أحق بأن ينظر إليه بموضوعية (بل بعين الآخر). فقد ازدهرت الأرض التي هاجرت إليها ابنتنا أوروبا، كما ازدهرت في تلك الأرض الرسالة التي أحبت أن تخص السماء بها، في فترة معينة من الزمان، أرضنا المباركة. يبقى علينا في كل حال أن نتابع تذكير الغرب عامة وأوروبا خاصة بأن الالتزام العلمي يفرض أن يتغلب الغربيون والأوروبيون على عاطفة كامنة فيهم قائمة على محاولة إخفاء الصفحة الأولى في تاريخ أوروبا والمسيحية أو التعتيم عليها. ولولا الصفحة الأولى لما كانت ثمة صفحة ثانية.

 

خامساً: ماذا فعلنا؟ محاضرة البابا بندكتوس ومحاولة تجديد فكرة الغفران المتبادل:

 

أتيح لي أن أتكلم من خارج البرنامج المعلن عن محاضرة قداسة البابا بندكتوس  السادس عشر، تلك المحاضرة التي تستحق أن تدرس بكل جدية لما فيها من أفكار تختص بفهم قداسته للمسيحية وللاسلام. وفي الحقيقة كنت شبه متردد في قبول دعوة المنتدى لولا أنني قررت أن أخاطب المشاركين في رودس عن فكرة  "الغفران المتبادل" التي آمل أن تتحقق في مستقبل قريب، ربما في 28/11/ 2006، حين يقوم البابا بزيارة تركيا وهي ستكون زيارته الأولى إلى بلد إسلامي شاء له موقعه الجغرافي وشاء له تاريخه أن يكون في صف المواجهة الأول مع الغرب.

جاء كلامي في الندوتين الأولى والثالثة فتحدثت عن تاريخ فكرة الغفران المتبادل منذ أن ضمنتها رسالتي إلى قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في 29/7/ 1992 بشأن الذكرى التسعمائة لحروب الفرنجة، ثم منذ أن أوضحتها صراحة في مقالِ بجريدة تشرين (2/4/ 1994) حين قلت: "من المرجح أن يؤدي صدور شرح اعتذاري عن الفاتيكان إلى إعطاء دفعة هائلة للحوار المجدي بين الديانتين العالميتين الكبيرتين. وقد يؤدي هذا الشرح إلى تليين مواقف إسلامية معينة لا يمكن تحديدها الآن".

وتلقت فكرة الغفران المتبادل دعماً قوياً من فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، الأستاذ في كلية الشريعة  بجامعة دمشق حين كتب في مجلة نهج الإسلام (الفصلية السورية التي تصدر عن وزارة الأوقاف، العدد /57/، السنة /15/ ربيع الأول 1415 آب 1994، ص /25/) عن استعداد المسلمين "للاسهام بما يمليه الواجب... في إبراز النظرة الودية والسلمية والإنسانية لجميع شعوب العالم" فيما إذا اتخذت الكنيسة الكاثوليكية خطوات باتجاه اعتبارها "أن المسلمين والعرب كانوا هم المعتدى عليهم" في الحروب الصليبية. (ولمزيد من التفصيل يمكن الرجوع إلى جبور: رسالة إلى قداسة البابا، بيروت، دار الكنوز الأدبية، 1995).

وبالطبع نعلم أن قداسة البابا الراحل، في قداسه الشهير يوم 11/3/ 2000، عبّر عن أسفه "للأساليب التي تبعها أبناء الكنيسة في نشر الحقيقة". وكانت هذه الكلمات إشارة إلى حروب الفرنجة والوحشية التي ظهرت في تلك الحروب، ومثال تلك الوحشية أكل الفرنجة لحوم العرب والمسلمين في شمال سورية، ومثالها دخول القدس عام 1099 وسط بحر من الدماء.

إلا أن التعبير الأوضح الذي دعم فكرة الغفران المتبادل إنما جاء في خطاب قداسته في صحن أول جامع يدخله بابا، وهو جامع بني أمية الكبير في دمشق. كان ذلك في الشهر الخامس من عام /2001/. قال قداسته أن على المسيحيين والمسلمين أن تغفر كل فئة منهما للأخرى في كل مرة أساءت فيه فئة منهما إلى الأخرى. هذه الفكرة لم يكتب لها إعلام واسع، رغم أنني رأيتها- ومنذ ذلك الوقت- مفتاحاً للعلاقة بين الاسلام والمسيحية. طالبت قداسة البابا عام /1992/ بأن يقدم شرحاً يقترب من الاعتذار يقدم لأحفاد  ضحايا حروب الفرنجة، فجاء الجواب واضحاً عام /2001/ : لابد من تطبيق مبدأ التبادلية. لماذا لم نتابع؟ خلافاً لردود الفعل السياسية، تأخذ الأفكار  الدينية  وقتاً طويلاً لكي تنضج. وبعد أربعة أشهر من زيارة قداسة البابا إلى جامع بني أمية الكبير، وقعت أحداث أمريكا الإجرامية فأحبت الإدارة الأمريكية أن تشغل العالم بموضوع واحد هو الحرب على الإرهاب، ونجحت في ذلك إلى حد كبير. توقف جدول أعمال العالم عند بند واحد جعله الرئيس جورج بوش (الابن) عنواناً لرئاسته على أمريكا... وعلى العالم.

وردت في محاضرة البابا بندكتوس إشارة إلى انتشار الاسلام بالسيف. فماذا كانت إذن حروب الفرنجة؟ وأيهما كان أقسى: دخول صلاح الدين إلى القدس أم دخول الفرنجة إليها؟ أشرت إلى ذلك في حديثَيّ، وثنّيت بما ذكره البابا  مستشهداً بأعمال الرسل عن عدم ترحيب "الروح القدس" بالتبشير في آسيا بل في مقدونيا، وثلثت بإهمال المحاضرة الإشارة إلى الرشدية اللاتينية التي على أساسها ترسخت فكرة العقلانية في المسيحية، واعتبرت أن توما الأكويني، قديس الكنيسة الكاثوليكية، إنما هو الحفيد الفكري لابن رشد. وأثارت المداخلتان موجة نقاش وتعليقات أهمها عندي تلك التي سمعتها عن الأنبا  بيشوي القبطي الأرثوذكسي: كانت الكلمة دفاعاً عقلياً مخلصاً عن المسيحية الشرقية". كيف لا، وقد استعنت في المداخلتين بمقاطع من رسالة صاحب الغبطة البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم، بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، التي وجهها إلى قداسة البابا موضحاً موقفه مما ورد في تلك المحاضرة "الأكاديمية" العجيبة.

هل ستنجح فكرة الغفران المتبادل، ومتى؟ لدى وصولي إلى رودس، وكان لديّ متسع من الوقت قبل بدء العمل، وضعت مسودة بيان يصدر عن المؤتمر وتباحثت به مع ثلاثة من المشاركين التقيت بهم في ردهات الفندق: السفير الدكتور محمد شعبان، مستشار وزير الخارجية المصرية، والسفير شول دنغ علق، سفير السودان في روسيا ووزير خارجية السودان الأسبق، والسيد فاليري كوزمين، مدير إدارة العلاقات مع البرلمان ومع المنظمات العامة والسياسية في وزارة الخارجية الروسية. جوهر البيان: أن تقوم دورتنا بتشكيل لجنة متخصصة تكتب تاريخاً وموضوعياً (تقريباً، فمن يستطيع أن يكتب تاريخاً موضوعياً بكل معنى الكلمة ولاسيما في الأمور الدينية؟) يقدَّم في وقت قصير إلى قداسة البابا وإلى رئيس وزراء تركيا، وهو ممثل العالم الإسلامي في لجنة حوار الحضارات التي أسستها منظمة الأمم المتحدة، ويتضمن نوعاً من التصريح، يصدر في أواخر تشرين ثاني 2006، بانتواء قبول فكرة الغفران المتبادل، على أن تتم اللمسات النهائية فيما بعد. لاقت الفكرة ترحيب الثلاثة الذين تباحثت معهم. وذهبت مسودة البيان إلى التنضيد مع سكريتارية المؤتمر وعادت بما يفيد أن خطي صعب، وأن التنضيد بالانكليزية لدى العاملين مع المنتدى مستحيل، فهم لا يتقنونها بما فيه الكفاية. طَويت صفحة مسودة البيان، وعوّلت على مداخلة شفهية،  فكانت لي مداخلتان كما ذكرت سابقاً. لم أبلغ كل ما رجوته، ولكنني نجحت في وضع فكرة الغفران المتبادل على مسارات قد يوصل بعضها الفكرة إلى الهدف. إلا أن السؤال الأهم جوابه هنا في دمشق وفي ديار العرب والمسلمين. هل كلنا مقتنع بالفكرة؟ هل كانت الإساءات المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين على مدى أربعة عشر قرناً متساوية في الضخامة؟ من يستطيع كتابة تاريخ موضوعي يُحظى بموافقة الطرفين؟ وهل المسلمون طرف واحد والمسيحيون كذلك، وكلنا نعلم أنهم ليسوا كذلك؟ ليست سهلة فكرة الغفران المتبادل، إلا أنها إن وُضٍعت على جدول أعمال المنشغلين بالحوار الاسلامي- المسيحي فسيكون وضعها خطوة ايجابية لمصلحة المسلمين والمسيحيين والعالم. وربما تكون لحديثي هذا صلة مع كثيرين في مدينة تضم  الجارين: جامع بني أمية والكاتدرائية المريمية، وفي طليعة هؤلاء الكثيرين زملاء أعزاء في لجنة العمل الاسلامي- المسيحي المشترك.

 

سادساً: وكان لنا في دورتنا من كل واد عصا:

 

في كل تجمع كبير تطالعك مفاجآت لاتخطر في بال. بعضها مفيد وبعضها طريف وبعضها يعصى على التصنيف.

فمن المفيد أنني التقيت في الدورة بشخصِ كنت التقيت به في مؤتمرات سابقة، إلا أن معرفتتنا المتبادلة لم تتوطد إلا في رودس. إنه الأستاذ الدكتور هانس كوشلر Koechler ، من النمسا، ورئيس "منظمة التقدم الدولي". وفي النشرات التي أعطانيها  ما يشير إلى أن منظمته كانت قد دعت إلى حوار الحضارات بدءاً من عام 1974. كما أن في مطبوعات منظمته ميلاً واضحاً إلى تأييد الحقوق العربية.

ومن الطريف ان السيد توماس ميلو، من هولندا، وهو رئيس منظمة تعنى باللغات والخطوط والكمبيوتر، وقد يزور دمشق قريباً، مروجاً لمشروع يعمل عليه، أهداني لوحة كُتِب عليها بخط جميل: "عليكم بحسن الخط فإنه من مفاتيح الرزق". أهدانيها وهو لا يعرف خطي الذي لم يكن من مفاتيح رزقي.

ومن المفيد الطريف معاً لقاء السيد اوليفيه  ديستان، وقد ذكرت في موقع سابق نقاشي معه حول موضوع أصل أوروبا السوري. أما الجانب الثاني لنقاشنا فكان شرحه لي خطته لإصلاح العالم. فقد صدر له مؤخراً كتاب عنوانه بعد أمريكا،عالم جديد وبه يرى أن إصلاح العالم عن طريق إصلاح الأمم المتحدة أمر لا جدوى منه لأن إصلاح الأمم المتحدة مستحيل. ما الحل البديل؟ إنه معاهدة دولية تنشئ مجتمعاً دولياً يقر بالعولمة ويتجاوز مخاطرها عن طريق إنشاء برلمان عالمي.  وعلى بطاقته لقبه المفضل: إنه رئيس لجنة العمل من أجل برلمان عالمي!

أما ما يتجاوز كل المفاجآت ويستعصي على التصنيف فهو استماعنا في إحدى الندوات إلى محاضرة عن ظاهرة الصحون الطائرة، واستماعنا في الجلسة العامة الثانية إلى محاضرة مطولة عن نظرية النسبية، لم تكن لتنتهي لولا التصفيق الحاد العفوي الذي انطلق من صفوف المستمعين الأسرى. إلى رئيس المنتدى أقول: عليك بضبط أفضل للبرنامج.

 

سابعاً: ملاحظات ختامية:

 

- من الجميل أن روسيا دخلت، وبقوة، عالم المنظمات غير الحكومية التي تحاول ممارسة تأثير عالمي. ومن الجميل أن رئيس المنتدى العالمي العام صديق لقمة القيادة الروسية. وإذا كان ثمة أنموذج قريب مما شاهدت في رودس خلال دورتين، فلعل هذا الانموذج هو ما تقوم به الخارجية البريطانية من خلال منظمة ويلتون بارك Wilton Park   الشهيرة ذات التاريخ العريق. ومن الفيد هنا أن أشير إلى أنني أتابع قدر الإمكان أعمال منظمتين أمريكيتين حديثتين تنحوان النحو نفسه، أي أنهما قريبتان من قمة الهرم السياسي وليستا لسان حاله حرفياً. هاتان المنظمتان هما "مبادرة كلينتون العالمية"، و"الأعمال من أجل عمل دبلوماسي " وبالانكليزية: “Business for Diplomatic Action" وهي منظمة تحاول تخفيف الكراهية التي تتعرض لها أمريكا في العالم. وبشأن المحاولة الروسية أوصي بالتعاون معها، إذ لاريب أن موقف الاتحاد الروسي يبقى أفضل للعرب من مواقف الدول الغربية الثلاث المتمتعة بحق النقض في مجلس الأمن: أمريكا وبريطانيا وفرنسا.

 

 2ً- ومن الجميل أن المشاركين العرب في الدورة كانوا كثرة وعلى مستوى جيد، وكانوا متفاهمين فيما بينهم. فإلى جانب السيد أحمد ماهر وزير خارجية مصر السابق، كان ثمة الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري وهو المدير العام لوكالة بيت مال القدس الشريف في المغرب وكان سابقاً وزيراً للأوقاف، ورجل الأعمال صديقنا المؤرخ الكنسي الدكتور رؤوف أبو جابر الأردني،  ووفد من ثلاثة أشخاص من فلسطينيي  "اسرائيل عام 1948".

3ً- وفي الجوهر، بدت روسيا وكأنها تبحث عن هوية متأقلمة مع التطورات التي عانتها منذ نحو من عقدين. ولعلي لا أخطئ إن قلت أن أعمق من عالج مسألة الهوية الروسية الباحثة عن التأقلم كانت الأستاذة الدكتورة ماريتا ستيبانيان Marietta Stepaniants مديرة مركز دراسات الفلسفات الشرقية في معهد الفلسفة بأكاديمية العلوم الروسية.  قالت الباحثة أن روسيا أمام اتجاهين فكريين: إما تبني الأرثوذكسية عقيدة للمجتمع (وربما للدولة) أو الاستمرار في العلمانية التي ابتدأت منذ الثورة البلشفية. وتعمقت في النتائج التي قد يؤول إليها كل من الاتجاهين. ذكّرني بحثها بتحقيق صحفي مطول نشرته جريدة لوموند (21/9/ 2006) وأعطته عنواناً مثيراً: "كوماندوس العنصرية الروسية". يتحدث التحقيق عن المظاهر الشوفينية الروسية. وقد ألفنا جميعاً الاطلاع على مظاهر شوفينية تتعمق في كل المجتمعات الغربية، وتتخذ في أحيان كثيرة طابعاً إرهابياً. وأذكر استطراداً اطلاعي على جوانب من تاريخ محاولات التأقلم الروسي مع التطورات من خلال دراسات قدمها إليّ الدبلوماسي الروسي المجتهد السيد فاليري كوزمين.

4ً- وفي الجوهر أيضاً عليّ أن ألاحظ بأسف انحسار انشغال العالم بمسألة الاحتلال الاسرائيلي لأراضِ عربية منذ عام 1967. ولولا الجهد الذي قام به العرب – كل العرب- لما ورد في كل الدورة اسم فلسطين وشعبها المحروم من حق تقرير مصيره ومن إقامة دولته. ولولا الزميل الكريم الدكتور نصر الدين خيرالله، أبن الجولان البار، الذي تحدث مطولاً عن أرضنا المحتلة وعن قريته فيها وعن تل الفرس، لما كان ورد ذكر للجولان. وكلامي هذا أضعه أمام الهيئة الشعبية لمقاومة الاحتلال في الجولان، كما أود أن يهتم به السيدان سلطانوف نائب وزير الخارجية الروسية وهو أحد أهم مهندسي دورتنا، وأمام السيد اوزيروف Ozerov  وهو ممثل روسيا الاتحادية في اللجنة الرباعية الدولية لإقامة سلم عادل ودائم وشامل في منطقة الشرق الأوسط.

5ً- وأخيراً، كلمة عن لقائَي مع السيد ياكونين، عام /2005/ وعام /2006/ . في لقائي معه عام /2005/ كنت أكثر تفاؤلاً بعمل المنتدى. وفي لقائي معه عام /2006/  سألته أن يحدد المنتدى جدول أعمال دقيقاً،  قد يكون مثلاً مسألة الحرب والارهاب والحرب عليه التي تشعل الحروب في العالم وتزيد من انتشاره في كل البلدان،  وعن ضرورة التفريق بين الارهاب وبين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال. ومن الثابت أن إنهاء الاحتلال أحد أهم الأساليب في إنهاء الارهاب. وفي هذا الإطار سألته إن كان ينوي زيارة منطقتنا من العالم . قال في جوابه: ثمة مفاجأة يعدها المنتدى وفيها نفع للمنطقة. ما هي؟ لم يود أن يفصح ولعله يفعل في وقت قريب.

6ً- وبعد، كانت تلك مذكرات شخصية عن تجمع كبير شاركت فيه وسررت إذ فعلت. وما ورد في هذه المذكرات لايلزم إلا صاحبها. وأرجو ألا أكون، في تعريفي بما عرّفت به من أفكار ومواقف، قد نسبت إلى من ذكرت أسماءهم ما لا يجسد تجسيداً سليماً ما كان لهم من أفكار ومواقف.

 

       رودس                                            جورج جبور

 

   2/10/ 2006