THE INTERNATIONAL ORGANIZATION FOR THE ELIMINATION OF ALL FORMS OF RACIAL DISCRIMINATION (EAFORD)

5 route des Morillons, CP 2100.  1211 Geneva 2, Switzerland

Telephone: (022) 788.62.33 Fax: (022) 788.62.45  e-mail: info@eaford.org 

                                                                                                                    

العدوان الإسرائيلي على لبنان وفلسطين

الحاجة إلى إعمال العدالة الجنائية الدولية

د عبد العزيز النويضي، محام بالرباط، أستاد القانون الدولي بجامعة محمد الخامس

  aziznouaydi@yahoo.fr

    جريمة العـدوان على لبنـان أولا:

تتحدث بعض منظمات حقوق الإنسان مثل "هيومن رايت ووتش" والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية عن خرق إسرائيل وحزب الله على السواء للقانون الإنساني وذلك باستهداف المدنيين بشكل عشوائي، وذهبت منظمة هيومن رايت ووتش إلى الحديث عن اقتراف حزب الله مثل إسرائيل لجرائم حرب، وأمام هذا الموقف يتعين وضع الأمور في نصابها.

إنه قبل الحديث عن خرق القانون الدولي الإنساني، أي القانون الذي يحكم سلوك المتحاربين، يجب الحديث أولا عن خرق القانون الدولي، أي عن العدوان الذي أدى إلى نشوء مواجهات بسبب أعمال المقاومة التي تعد حقا مشروعا لكل شعب تعرض للعدوان أو للاحتلال. وبهذا الصدد يجدر التذكير بأن أكبر من ينتهك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة هو دولة إسرائيل منذ تأسيسها، ومن المفارقة أن إسرائيل هي ربما الدولة الوحيدة في العالم التي نشأت بقرار للجمعية العامة للأمم المتحدة نجدها أكبر من ينتهك اغلب ميثاق هذه المنظمة جملة وتفصيلا، وتتجاهل قرارات الشرعية الدولية سواء تلك التي صدرت عن مجلس الأمن أو عن الجمعية العامة.

إن الهجوم العسكري على لبنان يدخل تماما في إطار تعريف جريمة العدوان كما حددها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1974.فطبقا لهدا التعريف فالعدوان هو استعمال القوة المسلحة من طرف دولة ضد السيادة أو الوحدة الترابية أو استقلال السياسي لدولة أخرى أو بأي شكل لا يتطابق مع ميثاق الأمم المتحدة. وطبقا للمادة الخامسة من نفس القرار فإنه لا يمكن لأي اعتبار سياسي أو اقتصادي أو عسكري أو غيره أن يبرر عدوانا، وأن حربا عدوانية هي جريمة ضد السلم الدولي وتترتب عنها المسؤولية الدولية.ولا يمكن لأي مكسب ترابي أو امتياز خاص نتج عن العدوان أن يكون مشروعا أو يعترف به.

وتؤكد المادة السابعة من نفس القرار على حق الشعوب في تقرير مصيرها وحقها في الحرية والاستقلال وحقها في مقاومة الأنظمة الاستعمارية والعنصرية وكل أشكال الهيمنة الأجنبية.

 

 

لقد نشأ حزب الله أساسا كمقاومة للاحتلال الإسرائيلي للبنان هذا الاحتلال الذي نتج عن عدوان متكرر ولاسيما احتلال الجنوب سنة 1978.

لم تخرج إسرائيل من جنوب لبنان إلا بعد 22 عاما بسبب ضربات المقاومة اللبنانية وليس تطبيقا لقرار مجلس الأمن 425 أو غيره من القرارات الأممية، التي أبدت إسرائيل باستمرار احتقارا لها وللهيئة التي تصدر عنها متمتعة في ذلك بحماية دبلوماسية وسياسية مستمرة ومتزايدة من الولايات المتحدة الأمريكية.

إن عدم خروج إسرائيل من مزارع شبعا واعتداءاتها المتكررة على لبنان يعني وجود حالة عداء وهو ما يبرر قيام مقاومة وطنية يجسدها حزب الله. وفي هدا الإطار قامت المقاومة بأسر جنديين إسرائيليين وهو عمل مشروع ولاسيما أن هدف حزب الله هو الوصول إلى رفع حالة الاعتقال والسجن التعسفي عن أسرى اعتقلتهم أو اختطفتهم إسرائيل ويقبعون في سجونها.

إن حزب الله قوة شعبية سياسية وعسكرية تتنامى بسبب تنامي العدوان الإسرائيلي وبسبب القوة التنظيمية والفكرية لقيادته. وكل حديث عن القضاء على حزب الله لا يعني شيئا آخر سوى القضاء على جزء كبير من الشعب اللبناني مثلما أن الحديث عن القضاء على حركة حماس لا يعني شيئا سوى القضاء على أغلبية الشعب الفلسطيني.

في ضل هده الاعتبارات هل يجوز لمنظمات حقوق الإنسان أن تغض الطرف عن هدا السياق وتوازي بين المقاومة وبين دولة عدوانية معروفة بإدمانها على انتهاك ا للقانون الدولي؟ وأن تتعرض فقط لشروط شن الحرب وخوضها دون النظر أيضا في عدم مشروعيتها باعتبارها جريمة من جرائم القانون الدولي؟

    العدوان يتطلب فورا إعمالا لنظام الأمن الجماعي

إن العدوان يعتبر أم الجرائم في القانون الدولي، لأنه هو الذي يقود أو يسهل جرائم الحرب والجرائم ضد البشرية وجريمة الإبادة الجماعية. و جريمة العدوان وحدها تتطلب فورا إعمال نظام الأمن الجماعي خاصة تدخل مجلس الأمن، مستعملا السلطات التي يخولها الفصل السابع من الميثاق أي اللجوء عند الاقتضاء إلى استعمال القوة لردع العدوان ووقفه كما حصل على إثر اجتياح العراق للكويت، إذ منح العراق آنذاك   مهلة من  مجلس الأمن ،لم يتعداها إلا وكان المجتمع الدولي بترخيص من مجلس الأمن، وبحرب سلم زمامها للولايات المتحدة خلاف للترتيبات التي يتحدث عنها الميثاق، يتدخل في 17 يناير 1991 لتحرير الكويت ورد العدوان.

 غير أن التحرير منذ ذلك الحين تحول إلى عدوان دائم على الشعب العراقي الذي أخضع لحصار ظالم وقاتل لمدة فاقت عشر سنوات ، ليتوج الأمر بعد أحداث 11 شتمبر، وبعد الحرب على أفغانستان، بعدوان أمريكي- بريطاني تم هذه المرة خارج أي ترخيص لمجلس الأمن وذلك في شهر مارس 2003 ،بعدما هددت فرنسا باستعمال حق النقض ضد أي قرار لمجلس الأمن يرخص بالحرب على العراق، فمنذ ذلك اليوم تهاوى نظام الأمن الجماعي وطارت أشلاؤه وكانت القنابل الأمريكية البريطانية على بغداد تدك في نفس الآن نظام الأمن الجماعي.

لقد تصور واضعوا الأمن الجماعي نظاما يسمح من خلال مجلس الأمن بحماية الدول الضعيفة التي قد تتعرض لاعتداء دول أخرى تتميز بنزعة عسكرية عدوانية كما كان عليه الأمر بالنسبة لألمانيا النازية بالأمس، وكما هو عليه الأمر بالنسبة لإسرائيل اليوم. فالتصور إذا أنه أمام عدوان من هذا القبيل سيتم رد فعل جماعي منظم تحت إشراف الأمم المتحدة بواسطة مجلس الأمن وفق ترتيبات عسكرية تسمح بإعادة السلم إلى نصابه وردع العدوان.

    تخريب نظام الأمن الجماعي من طرف الولايات المتحدة الأمريكية

 إن الاستعمال المغرض لمجلس الأمن من طرف الولايات المتحدة الأمريكية قد دمر نظام الأمن الجماعي على ثلات مستويات:

1-   فمن جهة، استعملت الولايات المتحدة حق النقض لتشل مجلس الأمن عن التدخل لوقف العدوان في وضعيات كان العدوان صارخا فيها وهذه هي الحالة اليوم أيضا،

2-    ومن جهة ثانية تدخلت الولايات المتحدة عسكريا لتمارس هي نفسها العدوان بدون ترخيص من مجلس الأمن،

3-    ومن جهة ثالثة، استعملت الولايات المتحدة هذا الجهاز السياسي بسبب المساومات والتنازلات المتبادلة التي تبرمها مع الدول دائمة العضوية لتستصدر قرارات ظالمة ضد بعض الدول أو الشعوب كما حصل أثناء تمديد الحصار على العراق أو فرض ضرب المقاومة وتفكيك سلاحها كما هو حال بعض عناصر القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن حول لبنان سنة 2004.

 الجريمة الأولى التي يجب أن تثيرها منظمات حقوق الإنسان

ونظام الأمم المتحدة هي جريمة العدوان إضافة للجرائم الأخرى للقانون الدولي

إن هذه الجريمة ندعو بإلحاح منظمات حقوق الإنسان للتعبئة قصد دمجها في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بمناسبة المؤتمر التعديلي المقرر سنة 2009، بعد سبع سنوات من دخول معاهدة روما حيز التنفيذ، ونذكر أيضا بأن القادة النازيين قد حوكموا من بين جرائم أخرى بجريمة تخطيط وقيادة وتنفيذ حرب عدوانية.

أما بالنسبة لجرائم الحرب والجرائم ضد البشرية التي تختص بها المحكمة الجنائية الدولية إلى جانب الإبادة الجماعية، فإن العنصر الرئيسي فيها يكمن في قيادة هجوم واسع النطاق ضد السكان المدنيين وذلك عن طريق الأعمال الإجرامية التي تشكل خرقا لقواعد الحرب وأعرافها ،بما في دلك معاهدات جنيف ،بالنسبة لجرائم الحرب، فالقانون الدولي الإنساني ينص على أن جرائم حرب ترتكب عندما يوجه الهجوم ضد المدنيين أو ضد أهداف عسكرية بشكل يلحق أضرارا بالمدنيين تفوق المكسب العسكري المتوخى. كما ان جريمة الحرب ترتكب عندما يحصل تعمد شن هجوم مع العلم أنه سيسفر عن خسائر تبعية في الأرواح وإصابات بين المدنيين أو إلحاق أضرار بالمنشآت المدنية على نطاق واسع أو حدوث أضرار شديدة بالبيئة الطبيعية.

 أماالجرائم ضد البشرية فإن العنصر الرئيسي فيها يكمن في قيادة هجوم واسع النطاق ضد السكان المدنيين عن طريق أعمال يدخل فيها القتل العمد والإ بعاد القسري للسكان والأفعال اللإنسانية التي تتسبب عمدا في معاناة شديدة أو في أدى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البد نية. ولقد ارتكبت إسرائيل كل هذه الجرائم.

 وبالنسبة لحزب الله ، فإذا كان القانون الدولي يمنع إطلاق صواريخ قد تقتل المدنيين بشكل عشوائي فإن هذا الأمر لا يقارن بأي مقياس مع الحرب العدوانية والهجوم الواسع النطاق وضخامة الوسائل المستعملة من طرف دولة مدججة بالأسلحة (إسرائيل) برا وبحرا وجوا. و لا يمكن الحديث عن جرائم حرب بالمعايير القانونية، لأن حزب الله لايقوم بهجوم واسع النطاق ولا يتعمد قتل المدنيين وإن كان قانون حقوق الإنسان يوجب تجنب أي سلوك قد يمس بالسلامة الجسدية أو بحقوق الأفراد، غير أن هذا الأمر يجب تقييمه في هذا الإطار الشامل

                    من أجل عدالة جنائية دولية دون تمييز

 من الضروري ومن الجيد أن تطال العدالة الجنائية الدولية بعض المسؤولين السياسيين والعسكريين الذين تورطوا في جرائم إبادة جماعية أو جرام حرب أو جرائم ضد البشرية وعرضوا على المحاكم منذ نورامبورغ وطوكيو وصولا إلى يوغسلافيا ورواندا، غير أنه من غير المنصف ومن غير المعقول ومن غير المنطقي إن يظل القادة السياسيون والعسكريون الإسرائيليون (والأمريكيون اليوم) بمنأى عن كل محاسبة أو عقاب (جرائم الفلوجة وأعمال أخرى في العراق والتواطؤ السافر مع العدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان. نذكر هنا أن أمريكا وقبيل زيارة كوندوليزا رايس لإسرائيل ولبنان استبقتها بهدية فريدة من نوعها وهو إرسال "قنابل ذكية" لإسرائيل وكأن الترسانة الحربية الإسرائيلية لازالت في حاجة إلى أسلحة فتاكة أخرى).

 

تدخـل الجمعيـة العامـة والدول الأطراف في معاهدات جنيف

واليوم ونحن نعلم الشلل الذي يعانيه مجلس الأمن بسبب الموقف الأمريكي فإن المؤسسات التي يمكن أن تتدخل تدخلا سياسيا أو قانونيا تبقى هي مجلس الأمن والأمين العام بما في ذلك المفوض الأممي السامي لحقوق الإنسان إضافة إلى محكمة العدل الدولية و للدول الأطراف في معاهدات جنيف,

لقد كان من الفروض أن يوقف مجلس الأمن العدوان ويلزم إسرائيل بوضع حد له وأن يذهب أبعد من ذلك بإيفاد بعثة تحقيق للتحري في حصول جرائم حرب وجرائم ضد البشرية سواء في لبنان أو في فلسطين حتى إذا ما تأكد ذلك صار من واجبه إحالة ملف المسؤولين عن تلك الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ومن الغريب أن تطالب أمريكا وإسرائيل اليوم بحماية أمن إسرائيل من طرف قوة دولية مع أن إسرائيل تملك كل تلك القوة العسكرية وتطلب حماية إضافية بينما لا يملك لبنان سوى سلاح المقاومة التي يراد تدميرها ونزع سلاحها علما بأن الجيش اللبناني كما تبين لا يملك الوسائل الكافية للدفاع عن أمن البلاد.

فاليوم وبسبب تخلف المجلس عن القيام بواجبه وتعطيل نظام الأمن الجماعي ونظام العدالة الجنائية الدولية فإنه يبقى على الجمعية العامة أن تلتئم في إطار ممارسة سابقة هي "الاتحاد من أجل السلام" (قرار الجمعية العامة 377 (V) بتاريخ 3 نوفمبر 1950).

إن الجمعية العامة بمقدورها أن تتبنى قرارا (توصية) أو أكثر تطلب فيه:

1-   من إسرائيل وقف عدوانها فورا على الشعبين اللبناني والفلسطيني،

2-    من الأمين العام أن:

    أ - يوفد بعثة لتقصي الحقائق إلى لبنان للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد البشرية التي اقرفتها إسرائيل ، و على ضوء دلك : 

    ب - أن يقدم مقترحا للجمعية العامة قصد إحداث محكمة جنائية خاصة "Ad hoc لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، لتجاوز تقاعس وشلل مجلس الأمن بإحالة القضية على المحكمة الجنائية الدولية كما يحق له بموجب المادة 13 من معاهدة روما،

   ج- أن يعين مجموعة خبراء يكلفون بتقييم الأضرار التي لحقت البنية التحية والبيئة الطبيعية في لبنان وما يترتب من تعويضات عنها وعن الخسائر في الأرواح والممتلكات،

4- تقرر إحداث صندوق دولي لإعادة تعمير لبنان وتعويض ضحايا العدوان ، وخلافا للدول الأخرى التي تكون مساهمتها تطوعية ، فإن مساهمة إسرائيل يجب أن تكون إلزامية على ضوء النقطة ج أعلاه، ويجب تكليف الأمين العام بإعداد تصور للصندوق في أجل محدد

    5- تطلب من سويسرا، بصفتها الحافظة لمعاهدات جنيف، أن تدعو فورا الأطراف المتعاقدة السامية للنظر في تنفيذ التزاماتها بفرض احترام هده المعاهدات وتوقيع الجزاءات على الدول المنتهكة لها.

  6 تنادي بعقد مؤتمر دولي لإقرار السلام في المنطقة ، مبني على قرارات الشرعية الدولية ولا سيما  قرارات مجلس الأمن  ومن ضمنها القرار 242 وقرارات الجمعية العامة والمقترحات العربية للسلام كما وردت في قمة بيروت، مع تحديد أجل المؤتمر وآليات للمتابعة . 

نعم إن هذا الأمر يتطلب معركة دبلوماسية تخوضها المجموعة العربية والمجموعة الإسلامية ملتمسة دعم دول عدم الانحياز، ونحن نتصور أن أغلبية من هذه الدول عبر القارات الثلاث) إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية( ستتجاوب مع هذا المسعى باستثناء أمريكا الشمالية وأوربا الموسعة. ورغم الضغوطات الهائلة من طرف واشنطن على الحكومات العربية وحكومات أخرى من دول عدم الانحياز فإننا نتصور أن الجمعية العامة يمكنها، كما فعلت عند طلب فتوى من محكمة العدل الدولية في قضية الجدار العازل، أن تصدر قرارا ولو بأغلبية بسيطة ومعارضة أو امتناع اغلب الدول الغربية عن التصويت. وسوف يجد الأمين العام للأمم المتحدة (وهو الذي اشتهر بابتلاع لسانه في اغلب الحالات وبالدخول في تسويات سياسية لا تتماشى مع مهمته كحارس للميثاق وللشرعية الدولية) نفسه مضطرا لتنفيذ قرار الجمعية العامة ومطالبها .

رفض  إسرائيل للسلام في فلسطين

لقد نجحت حركة حماس في انتخابات نزيهة وشفافة حضرها مراقبون دوليون من أوربا وأمريكا. ومن الغريب أن تتم مقاطعة الحكومة التي انبثقت عنها من قبل الحكومات في هذه الأقطار التي طالما دعت إلى نشر الديمقراطية في العالم العربي !

إن التجارب الديمقراطية القليلة الموجودة في العالم العربي بفلسطين ولبنان هي التي تدك دكا الآن بمعاول وقنابل ودبابات وطائرات الاحتلال الإسرائيلي بمباركة أمريكية تحت نظر أوربا وبقية العالم.

ولطالما ادعت إسرائيل أنها تفتقر إلى شريك في عملية السلام والحالة أن إسرائيل لا تبحث عن السلام بل عن الهيمنة.

لقد كان ياسر عرفات أكبر شريك في عملية السلام كتجسيد وكرمز للشعب الفلسطيني وقد منح جائزة نوبل للسلام رفقة إسحاق رابين، غير أن مجيء مجرم الحرب آرييل شارون أحد المسؤولين الأساسيين عن الحرب العدوانية على لبنان سنة 1982 التي خلفت أكثر من 30 ألف قتيل بدعوى استئصال منظمة التحرير الفلسطينية، والمسؤول أيضا عن جريمة الإبادة الجماعية في صبرا وشاتيلا، هذا السفاك الذي وصفه شريكه في الجرائم جورج بوش برجل السلام، ضرب حصارا قاتلا على ياسر عرفات، الرئيس المنتخب ديمقراطيا ومهندس مساعي السلام، حصارا استمر سنوات أمام سمع العالم وبصره إلى أن مات مغتالا على الأرجح. فالحقيقة أن الفلسطينيين هم الذين لا يجدون شريكا في عملية السلام.

لقد مد العالم العربي يده إلى إسرائيل مقترحا مشاريع سلام متعاقبة كان آخرها ما طرح في قمة بيروت في مارس 2002، وكان رد الفعل الإسرائيلي على الاقتراح الجماعي العربي للسلام هو الهجوم الكاسح على الفلسطينيين واقتراف جرائم حرب في جنين وطرابلس ومدن ومخيمات فلسطينية أخرى في أبريل 2002 ولم تتوقف تلك المجازر إلى يومنا هذا.

ويذكر هذا الرد الإسرائيلي بردها على مشروع السلام الذي اقترح في فاس سنة 1982 والذي أعقبته مذابح صبرا وشاتيلا.

وعندما انتخب محمود عباس (أبو مازن) في يناير 2005 بشكل نزيه كرئيس لدولة فلسطين برهن الفلسطينيون عن نضجهم وصبرهم وتشبثهم بالأمل وبالسلام لأنهم انتخبوا رجلا من أقوى دعاة التعايش السلمي. ومرة أخرى لم تمنحه إسرائيل ولا الولايات المتحدة أي حظ وأي فرصة بل اتخذوا من عمليات المقاومة التي يذكيها العدوان الإسرائيلي المستمر ذريعة لإضعاف الرجل وتحطيم وسائل عمله، لقد كانوا يطلبون من محمود عباس إدانة المقاومة وضربها وتفكيك بنيتها التحتية مع العلم أنهم عجزوا عن دلك بكل آليتهم الحربية والإستخباراتية وبكل عمليات الاغتيال وقتل الزعماء والنشطاء بكل الوسائل .ونتذكر بهذه المناسبة قتل الشيخ أحمد ياسين بقصف جوي في مارس 2004 في عملية أشرف عليها السفاح آرييل شارون كما افتخر بذلك وقتها. ولم يمض إلا شهر حتى طالت يد الغدرالإسرائيلية زعيما آخر لحركة حماس هو عبد العزيز الرنتيسي ليلتحق بقافلة من شهداء الشعب الفلسطيني وقيادات فذة أخرى أمثال أبو علي مصطفى وأبو جهاد خليل الوزير والعشرات من أمثالهم.

وفي الوقت الذي كانت إسرائيل تطلب من محمود عباس ضرب ما تسميه بالبنية التحتية للإرهاب أي أفضل فدائيي ومناضلي الشعب الفلسطيني كانت تدمر البنية التحتية للقوة الفلسطينية من أمن ومخابرات ومقرات للسلطة، وهي الوسائل المفترض في منطق إسرائيل أن يستعملها محمود عباس لضرب النشطاء. ومن الطبيعي أن محمود عباس مثل ياسر عرفات ما كان ليستجيب لمطالب غاشمة وخبيثة مضادة لمصالح الشعب الفلسطيني وتستهدف إثارة حرب أهلية بين أبناء هذا الشعب.

جرائـم القانـون الـدولي في فلسطين

تعرف جريمة الإبادة الجماعية بأنها الأعمال الإ جرامية التي تستهدف القضاء كليا أو جزئيا على مجموعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها تلك( القتل ،إلحاق أدى  جسدي أو عقلي خطير، إخضاع الجماعة عمدا لضر وف عيش يراد بها تدميرها المادي جزئيا أو كليا ...). وبغض النظر عن جرائم إبادة جماعية ارتكبت مرارا في تاريخ فلسطين من قبل إسرائيل أو تحت إشرافها ،فإن ما يجري اليوم في الأراضي المحتلة ولاسيما في غزة من حصار وتجويع ومنع الإفراج عن المخصصات المالية وعرقلة المرور في المعابر واستهداف المدنيين والمقاومين على السواء وهدم البيوت وضربها بالطائرات وفرض حالة خراب اقتصادي على الشعب الفلسطيني، ليشكل عناصر تدخل تماما في تعريف الإبادة الجماعية، ولاسيما الأفعال التي تستهدف إخضاع الشعب الفلسطيني لظروف عيش تستهدف تدميره كليا أو جزئيا.

إن هدف إسرائيل هو دفع أكبر عدد من الناس إلى مغادرة أراضيهم باعتبار أن العيش فيها أصبح لا يطاق، وأن الحياة فيها والأمن الفردي والجماعي باتا مهددين بشكل خطير. وتتحدث إسرائيل فوق كل ذلك عن ضمان أمنها أي منع شعب كامل من الدفاع عن نفسه وعن حقه في الحياة.

وعلى طول ما يفوق 50 عاما من الصراع العربي الإسرائيلي حظيت إسرائيل بكامل الدعم المالي والعسكري والسياسي والدبلوماسي من الولايات المتحدة الأمريكية إلى درجة منع الأمم المتحدة من القيام بواجبها في حماية الشعب الفلسطيني وفرض احترام القانون الدولي.

خاتمة

إن أي حل للوضعية الحالية المرتبة عن العدوان الإسرائيلي على لبنان وفلسطين تتطلب من منظور القانون الدولي البدء بوقف العدوان فورا ثم تطبيق قرارات الشرعية الدولية التي بقيت مجمدة منذ عشرات السنين ألا وهي القرار 194 الخاص بعودة اللاجئين، والقرار 242 الخاص بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس والضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان، والقرار 425 الخاص بالجلاء الإسرائيلي التام من لبنان، وتوصيات محكمة العدل الدولية الملزمة في قضية الجدار  لأنها مبنية على القانون الدولي الآمر    Jus Cogens بخصوص وقف إسرائيل بناء الجدار العازل وتحطيم ما بني منه وتعويض الفلسطينيين الذين انتزعت أراضيهم وإزالة المستوطنات من الأراضي المحتلة بما فيها القدس الشرقية، كل ذلك احتراما لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 ،وعدم اعتراف الدول الأخرى بمشروعية بناء الجدار أو الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والالتزام بعدم تقديم المساعدة إسرائيل والعمل على فرض احترام اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بمعاملة المدنيين أثناء النزاعات المسلحة

ويتعين إضافة لدلك قيام مجلس الأمن بدوره في فرض احترام القانون الدولي خاصة في حالات العدوان وحمل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تدخل في صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية إلى هذه المحكمة أو تحمل الدول فرادى ومجتمعة لمسؤولياتها في حمل الجمعية العامة على الحلول محل مجلس الأمن المشلول قسرا للتدخل كما أسلفنا لوقف العدوان وجرائم القانون الدولي الأخرى وزجر مقترفيها وبناء أسس سلم دائم وعادل في المنطقة.

                              

                                                   عبد العزيز النويضي، الرباط 27 يوليوز 2006