THE INTERNATIONAL ORGANIZATION FOR THE ELIMINATION OF ALL FORMS OF RACIAL DISCRIMINATION (EAFORD)

5 route des Morillons, CP 2100.  1211 Geneva 2, Switzerland

Telephone: (022) 788.62.33 Fax: (022) 788.62.45  e-mail: info@eaford.org

                                                                                                                    

الأمم المتحدة ليست فقط مجلس الأمن

د.أنيس مصطفى القاسم[1]

 

1 قرر وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الطارئ الذي عقد في القاهرة لبحث الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان، الذهاب مجتمعين الى مجلس الأمن في سبتمبر القادم، وصرح الأمين العام لجامعة الدول العربية، عمرو موسى،  في المؤتمر الصحفي بأنه اذا استعملت امريكا حق النقض فان ردود الفعل ستكون مفتوحة. فهل مجلس الأمن هو الجهة الوحيدة أو الأنسب التي يمكن التوجه اليها ، أم ان نتائج أفضل يمكن الحصول عليها بالذهاب الى الجمعية العامة للامم المتحدة؟ للرد على هذا السؤال لا بد من تحليل اختصاص كل من مجلس الأمن والجمعية العامة فيما يتعلق بصون السلام والأمن الدوليين، وهو البند الذي تبحث تحته القضية الفلسطينية والمشكلة اللبنانية والقضية العراقية وقضية دارفور في السودان. ولحسن الحظ فقد تحدد هذا الاختصاص من قبل أعلى هيئة قضائية في العالم، وهي محكمة العدل الدولية في الفتوى التي اصدرتها في قضية الجدار الذي أقامته وتقيمه اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة، حيث بحث هذا الموضوع بشيء من التفصيل. وقد بحثته المحكمة من زاويتين نستعرض كلا منهما على حدة.

 

أولا: وفقا لميثاق الامم المتحدة وممارسات الجمعية العامة

 

2- بدا من حديث الأمين العام لجامعة الدول العربية الضيق الكبير والتشاؤم من الذهاب لمجلس الأمن، وهو محق في ذلك، ومع هذا تبقى الأمم المتحدة احدى الجهات التي يجب التوجه اليها. وقد كان الاعتقاد السائد هو أن مجلس الأمن هو الجهة الوحيدة المختصة بالنظر في القضايا التي تمس الأمن والسلام الدوليين واتخاذ القرارات في هذا الشأن، أو أنه لا يجوز للجمعية العامة للامم المتحدة النظر في قضايا مطروحة على مجلس الأمن ما لم يحلها مجلس الأمن اليها. وقد حسمت محكمة العدل الدولية الأمر في فتواها المشار اليها فيما تقدم، مقررة أن من حق الجمعية العامة أيضا أن تبحث في هذه القضايا وتتخذ القرارات بشأنها..

 

3 -  بحثت المحكمة اختصاص الجمعية العامة للامم المتحدة لترى مدى اختصاصها في النظر في هذه القضايا واتخاذ القرارات والتوصيات بشأنها، ملاحظة أن المادة 10 من ميثاق الأمم المتحدة منحت الجمعية العامة (اختصاصا فيما يتعلق ب "أية مسائل أو أية أمور" تدخل في نطاق الميثاق وأن الفقرة 2 من المادة 11 منحتها على وجه التحديد اختصاصا فيما يتعلق ب "أية مسألة يكون لها صلة بحفظ السلم والأمن الدوليين يرفعها اليها أي عضو من أعضاء الأمم المتحدة...") (الفقرات 15- 17 من الفتوى) واستنادا الى هذا النص قررت المحكمة أن الجمعية العامة مختصة بنظر موضوع الجدار باعتباره يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، وأن من حق الجمعية العامة أن تتخذ ما تراه من قرارات بهذاالشأن. من هذا النص، يتضح أن الجمعية العامة مختصة في بحث القضية الفلسطينية والقضايا الاخرى التي أشرنا اليها لما لها من صلة بحفظ السلم والأمن الدوليين، وأن تتخذ ما تراه مناسبا من قرارات، بشرط أن يطلب منها ذلك عضو من أعضاء الأمم المتحدة، وأن مجلس الأمن ليس هو الجهة الوحيدة التي يمكن اللجوء اليها.

 

4 - زعمت اسرائيل أنه نظرا لاشتغال مجلس الأمن الفعلي بتناول الحالة في الشرق الاوسط، بما في ذلك قضية فلسطين، فقد تصرفت الجمعية العامة متجاوزة سلطتها بموجب الميثاق عندما طلبت اصدار الفتوى بشأن الجدار. ومؤدى هذا الدفع أنه لا يجوز للجمعية العامة أن تبحث في مسألة مطروحة على مجلس الأمن، وما دام أن القضية الفلسطينية مطروحة على المجلس بالفعل فانه لا يجوز للجمعية العامة بحث أي جانب من جوانب هذه القضية، ناهيك عن بحت القضية ذاتها. رفضت المحكمة هذا الدفع، وللوصول الى قرارها استعرضت اختصاص مجلس الأمن أولا وفقا لميثاق الامم المتحدة، كما استعرضت الممارسة الفعلية  في هدا الخصوص من قبل كل من مجلس الأمن والجمعية العامة ثانيا.

 

5 أما فيما يتعلق بالميثاق، فقد اشارت المحكمة الى المادة 24 منه التي تخول مجلس الأمن أن يفرض على الدول التزامات بموجب الفصل السابع من الميثاق، وانتهت الى القول "ان المحكمة تود أن تؤكد أن المادة 24 تشير الى اختصاص رئيسي وليس بالضرورة الى اختصاص قصري" (الفقرة 26 من الفتوى). معنى هذا أن اختصاص مجلس الأمن في القضايا التي تتعلق بصون السلام والأمن الدوليين ليس مقصورا عليه، وان كان هذا هو اختصاص رئيسي له، وانما تشاركه الجمعية العامة في ذلك، ويكون لها الحق في بحث الفضايا التي تتعلق بالسلام والأمن الدوليين وأن تتخذ بشأنها ما تراه من قرارات دون أن يقيدها في ذلك أن المسألة تحت النظر الفعلي لمجلس الأمن، ومن باب أولى يكون لها هذا الحق اذا لم تكن القضية مطروحة على مجلس الأمن أو طرحت عليه ولم يستطع اتخاذ قرار بسبب التصويت السلبي لعضو دائم.

 

6 هذا من زاوية النصوص، الا أن المحكمة لم تكتف بذلك، وانما بحثت الممارسات الفعلية للامم المتحدة في هذا الخصوص، فلاحظت تطورا في هذه الممارسة، فبعد أن كان الرأي الغالب هو أن الجمعية العامة لا تستطيع أن تقدم أية توصية بشأن مسألة تتعلق بصون السلام والأمن الدوليين ما دامت المسألة مدرجة في جدول أعمال مجلس الأمن، الا أن الجمعية العامة رأت أن من حقها أن تعتمد توصيات في قضايا كانت بالفعل مدرجة في جدول أعمال مجلس الأمن، وأوردت أمثلة على ذلك. ولاحظت المحكمة " أن هناك ميلا متزايدا بمرور الزمن لأن تتناول الجمعية العامة ومجلس الأمن في نفس الوقت المسألة ذاتها فيما يتعلق بصون السلام والأمن الدوليين"، وضربت على ذلك أمثلة كثيرة، من بينها، المسائل المتعلقة بقبرص وجنوب افريقيا وأنغولا وروديسيا الجنوبية وأخيرا البوسنة والهرسك والصومال. وقالت "تعتبر المحكمة أن الممارسة المقبولة للجمعية العامة، على النحو الذي تطورت اليه، تتفق مع الفقرة 1 من المادة 12 من الميثاق ". (الفقرات 25-28 من الفتوى)

 

7 معنى هذا أن معالجة القضايا الخاصة بالسلام والأمن الدوليين ليس اختصاصا محصورا في مجلس الأمن، بل ان الجمعية العامة مختصة أيضا بذلك ، ولا يمنعها من ممارسة هذا الاختصاص أن تكون المسألة تحت نظر مجلس الأمن، أو أنها لا تستطيع ممارسته الا اذا أحال مجلس الأمن الموضوع عليها. ليس هذا فحسب بل ان الجمعية العامة قد تنظر المسألة في نفس الوقت الذي ينظر فيها مجلس الأمن، ولكن بمنظور أوسع. فقد قالت المحكمة: "والذي يحدث غالبا أنه بينما ينحو مجلس الأمن الى التركيز على الجوانب المتصلة بالسلام والأمن الدوليين من المسائل، تتناولها الجمعية العامة من منظور أوسع فتنظر أيضا في جوانبها الانسانية والاجتماعية والاقتصادية" (الفقرة 27 من الفتوى). ونضيف الى ذلك أن الحجة الاسرائيلية تؤدي الى وضع في غاية الخطورة على السلام والأمن الدوليين حيث أن عضوا واحدا من الاعضاء الدائمين في مجلس قد تؤدي ممارسته لحق الفيتو الى استمرار التهديد للسلام والأمن الدوليين وتعطيل النظر في الموضوع من جانب الامم المتحدة، والجمعية العامة بوجه خاص، وهذا وضع خطير وغير مقبول. وقد أشارت المحكمة في عدة مواضع الىأن تعطيل حل القضية الفلسطينية حتى اليوم ناتج عن ممارسة أحد أعضاء مجلس الأمن الدائمين لحق النقض، معبرة عن عدم رضاها بذلك بعبارات قضائية مهذبة كما هي عادة القضاء.

 

ثانيا: وفقا لقرار الاتحاد من أجل السلام 

 

8 هذا فيما يتعلق بمسألة الاختصاص وفقا لميثاق الامم المتحدة والممارسات الفعلية للامم المتحدة. ثم نظرت المحكمة في الموضوع ذاته تطبيقا لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 377 ألف (د-5)، وهو القرار الخاص بالاتحاد من أجل السلام الذي اتخذته الجمعية العامة في 17 نوفمبر 1950 في دورتها الخامسة (الفقرات 29-32 من الفتوى).

 

9 نص هذا القرار على مايلي:

 

"اذا لم يتمكن مجلس الأمن، بسبب عدم اجماع أعضائه الدائمين، من مباشرة مسئوليته الرئيسية عن صون السلام والأمن الدوليين نتيجة لتصويت سلبي من جانب واحد أو أكثر من الأعضاء الدائمين، في أي حالة يظهر فيها تهديد للسلام، أو خرق للسلام، أو عمل عدواني، تنظر الجمعية العامة في المسألةعلى الفور بهدف تقديم توصيات مناسبة الى الأعضاء من أجل اتخاذ تدابير جماعية".

 

نظرت المحكمة في تفسير وتطبيق هذا النص، فاستعرضت موقف أحد الاعضاء الدائمين، دون أن تسميه، وهو الولايات المتحدة الامريكية، ورأت أن هذا الموقف المتمثل في استعمال حق النقض في القضية الفلسطينية قد حال بين مجلس الأمن وبين مباشرة المجلس لمسئولياته في حفظ السلام والأمن الدوليين، وفي هذا تحميل لهذا العضو المسئولية عن عدم التوصل لحل للقضية الفلسطينية حتى الآن. وأكدت المحكمة أنه "خلال الدورة الاستثنائية هذه يمكن للجمعية العامة أن تتخذ أي قرار يدخل في اطار الموضوع الذي عقدت من أجله الدورة، ومن سلطتها اتخاذ اجراءات أخرى" (الفقرة 32 من الفتوى). طبعا هذا اختصاص عام لكل دورة، سواء كانت عادية أو استثنائية، وليس قاصرا على الدورة التي اتخذ فيها الفرار الخاص بطلب الفتوى فيما يتعلق بالجدار.

 

10 هذا الوضع لم يتغير،فالولايات المتحدة الامريكية لم تتوقف عن استعمال حق النقض، وبالتالي لم تتوقف عن تعطيل مجلس الأمن عن ممارسة مسئولياته في صون السلام والأمن الدوليين في الشرق الاوسط. معنى هذا أن الباب مفتوح أمام الذهاب الى الجمعية العامة استنادا الى هذا القرار رقم 377 ألف (د-5) بدعوتها لعقد دورة استثنائية، ان لم تكن فعلا مستمرة في دورتها الخاصة بالجدار، وفي هذه الدورة تستطيع الجمعية العامة أن تتخذ ما تراه من قرارات استكمالا لقراراتها بشأن الجدار، كما لها، وفقا لفتوى المحكمة، "أن تتخذ أي قرار يدخل في اطار الموضوع الذي عقدت من أجله الدورة".

 

الخلاصة:   

 

11 نستخلص من هذه الدراسة الموجزة لفتوى محكمة العدل الدولية في موضوع هذا المقال، أنه، وفقا لميثاق الامم المتحدة، فان مسئولية صون السلام والأمن الدوليين لا تنحصر في مجلس الأمن وانما هو اختصاص للجمعية العامة للامم المتحدة كذلك. كما نخلص الى أن الجمعية العامة مختصة أيضا وفقا لقرار الاتحاد من أجل السلام باتخاذ القرارات المناسبة في هذا الخصوص بتدابير جماعية يراعيها الاعضاء. وفي رأينا، كما يستنتج من موقف المحكمة من الاستهانة باستعمال حق النقض من جانب عضو دائم في مجلس الأمن، أنه يحسن تجنب مجلس الأمن وحق النقض والتركيز على الجمعية العامة، ومن المفيد مراجعة السوابق في هذا الخصوص التي مارست فيها الجمعية العامة سلطاتها هذه. فالقضية الفلسطينية بدأت في الجمعية العامة، ولذا فانها تتحمل مسئولية خاصة حيالها، كما أنها هي التي أنشأت العديد من اللجان المختصة لمتابعة العديد من جوانب القضية. وفضلا عن ذلك فان الجمعية العامة هي التي طلبت الرأي الاستشاري بخصوص الجدار، وهي المخاطب الأول بفتوى المحكمة، ويقع عليها واجب العمل على احترامها من قبل الجميع. ويجب أن نعود ونؤكد أن المحكمة وضعت معايير تحكم أي حل تفاوضي، وهي مبادئ وقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الانساني كما أعلنتهما المحكمة، ومن بين هذه المبادئ أنه "ليس لأحد أن يفيد من باطل صدر عنه"، بمعنى أنه لا يحق لاسرائيل أن تستفيد من انتهاكاتها للقانون الدولي والقانون الدولي الانساني، وهذا ما يجب التمسك به في الامم المتحدة وفي جميع الاتصالات الدولية، وحتما فيما يجري من مفاوضات.  ويجب الا يغيب عن البال لحظة أن اسرائيل ملزمة، وفقا للفتوى، بانهاء اخلالها بالتزاماتها الدولية، هذه الالتزامات التي حددتها الفتوى بوضوح. أما حجة قبول الامر الواقع التي يدعو اليها البعض، فهي مرفوضة، لأن الباطل لا يعطي حقا.

 

12- اذا أرادت الدول العربية والسلطة الفلسطينية أن تتخذ، ولو لمرة واحدة، موقفا حازما لا تتراجع عنه، فان هذا الموقف الذي تستطيع أن تواجه به الجميع هو احترام فتوى محكمة العدل الدولية وتنفيذها تنفيذا أمينا كاملا، وتطبيق مبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الانساني على الوجه الذي أعلنته المحكمة.  

 

 


 

[1] رئيس اللجنة القانونية في المجلس الوطني الفلسطيني سابقا