THE INTERNATIONAL ORGANIZATION FOR THE ELIMINATION OF ALL FORMS OF RACIAL DISCRIMINATION

5 route des Morillons, CP 2100.  1211 Geneva 2, Switzerland

Tel: 788.62.33     Fax: 788.62.45

                        

العنصرية المطلقة نفي وجود الآخر[1]

بقلم

د.أنيس مصطفى القاسم

الأمين العام للمنظمة الدولية للقضاء على التمييز العنصري (ايفورد)

في نوفمبر 1975 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وفي ديسمبر 1991 ألغت ذلك القرار، وهذا الالغاء ما كان ليقع لو عارضته الدول العربية والاسلامية. وازاء هذا الالغاء، هل يصح أن نتحدث اليوم عن الصهيونية كحركة عنصرية، وعن وليدتها اسرائيل كدولة عنصرية؟ هل تغيرت طبيعة الصهيونية فكرا وعملا ما بين 1975 و1991 واليوم بحيث أصبحت لا تدخل في اطار تعريف العنصرية والتمييز العنصري كما أقرته المواثيق الدولية والقانون الدولي، أم إن اللعبة السياسية واستسلام الانظمة العربية والاسلامية قد تدخلا مرة أخرى بحيث خلطت الأوراق وطمست الحقائق وطعن القانون الدولي والقانون الدولي الانساني طعنة في الصميم، وساهمت الأنظمة العربية والاسلامية مرة أخرى في تجريد القضية الفلسطينية من سلاح له أثره في محاصرة الصهيونية ووليدتها اسرائيل.  

لقد برزت بوضوح محاولات خلط الأوراق والافتئات على الحقيقة ومحاولات الافلات من المساءلة والمحاسبة في المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية الذي عقدته الأمم المتحدة في (ديربان) بجنوب افريقيا في سبتمبر  2001 ، حيث فُسَّرَ التحرك ضد الصهيونية واسرائيل على أنه تحرك ضد اليهود واليهودية، وأنه يُشَجَّع على معاداة السامية. وهذا الخلط هو من صنع المنظمات الصهيونية واسرائيل، وهو من بين النتائج التي ترتبت على إلغاء القرار بدون مبرر موضوعي. وهو خلط متعمد، يلجأون اليه كلما ضاقت بهم الحجة وقام الدليل القاطع، والهدف منه تكميم الأفواه وتخويف الباحثين وطمس الحقائق لكي تنجو الصهيونية واسرائيل من المحاسبة التي تخضع لها جميع الحركات والأنظمة الأخرى. 

ونحن العرب والمسلمين بوجه عام، لا نخلط بين الصهيونية واليهودية، ولا بين اسرائيل واليهود، ونشجب معاداة السامية،  وما تعرض له اليهود من أذى وتمييز، وتاريخنا كله شاهد على ذلك. نحن نرفض هذا الخلط نظريا وعمليا. وليس أدل على هذا من موقف المغفور له الملك محمد الخامس رحمه الله، عندما رفض تسليم اليهود المغاربة للنازيين، كما سلمهم أوروبيون وحكومات اوروبية. لقد وقف هذا الموقف الحازم انطلاقا من ديننا وتاريخنا ومن مسئوليته عن رعيته، مهما كانت ديانتهم وأصولهم، بالرغم من الظروف السياسية القاسية التي كان يمر بها العالم والمغرب. هذا موقف ثابت للعرب والمسلمين جميعا، ولسنا في حاجة للاطالة في الحديث عنه.  

هذه مقدمة كان لا بد منها، لأننا نرفض أن تُكَمَّمَ أفواهنا ونحن نرى على أرض الواقع النتائج المريرة للحركة الصهيونية والممارسات الاسرائيلية
*** 

لم يأت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975 باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري من فراغ قانوني وفكري وواقعي، بل كان نتيجة طبيعية لتحرك المجتمع الدولي، عن طريق الأمم المتحدة، لانهاء الاستعمار والاحتلال، وتثبيت مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحق الانسان، كل انسان، في الكرامة الانسانية، والمساواة في الحقوق والحريات الاساسية دون تمييز بسبب العرق أو اللون او الدين أو اللغة.  

وقد عبر عن هذا ميثاق الأمم المتحدة عندما حدد في المادة الأولى أهداف المنظمة الدولية، مؤكدا أن تقوم العلاقات بين الأمم على اساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير المصير" وأن من واجب الامم المتحدة "اشاعة وتشجيع احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية للجميع دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين." وأن على الامم المتحدة "أن تُرَوِّجَ احتراما عالميا والتزاما بحقوق الانسان والحريات الأساسية بالنسبة للجميع دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين". (مادة 55 من الميثاق) وذلك من أجل ضمان السلم العالمي والتعاون بين الشعوب..

 وتنفيذا لهذا الالتزام فقد كان من أول ما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة هو الاعلان العالمي لحقوق الانسان في العاشر من ديسمبر 1948، ثم تلته اعلانات ومواثيق دولية لتقنين هذه الحقوق والزام المجتمع الدولي بها. وكان من أهم هذه الاعلانات والمواثيق في هذا المجال:

أولا: في 14 ديسمبر 1960 اصدرت الجمعية العامة للآمم المتحدة الاعلان الخاص بمنح الاستقلال للبلاد والشعوب المستعمََرَة .

ثانيا: : في 20 نوفمبر 1963 أصدرت الجمعية العامة القرار رقم 1940 والذي يتضمن اعلان الأمم المتحدة بشأن انهاء جميع اشكال التمييز العنصري.

ثالثا: . في 21 ديسمبر 1965 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الميثاق الدولي بشأن ازالة جميع أشكال التمييز العنصري.

رابعا: في 16 ديسمبر 1966 اقرت الأمم المتحدة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

خامسا: في 30 نوفمبر 1973 اقرت الأمم المتحدة ميثاق قمع ومعاقبة جريمة الابارثيد أو الفصل العنصري.

هذه هي أهم الاعلانات والمواثيق التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي تتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها وبالعنصرية والتمييز العنصري. وقد تبنت المنظمات المتخصصة في الامم المتحدة اعلانات ومواثيق أخرى بهذا الخصوص لا يسمح المجال بالاشارة اليها. انما المهم هو أن نقرر أن جميع هذه التحركات ضد العنصرية والتمييز العنصري قد جاءت قبل القرار الخاص بالصهيونية عام 1975، وأن ذلك القرار كان تطبيقا للمعايير التي سبق اقرارها كجزء أساسي من النظام العالمي ومن القانون الدولي.

 

***

من الواضح من مجرد سرد الاعلانات والمواثيق الدولية سابقة الذكر، أن المجتمع الدولي قد شرع، عن طريق الأمم المتحدة، في محاربة العنصرية والتمييز العنصري. وكانت البداية، بعد الاعلان العالمي لحقوق الانسان، العمل على التخلص من الاستعمار والاحتلال اللذين يعتبران من أبشع صور التمييز العنصري بين الشعوب، لما يقومان عليه من نظرية التفوق والانكار المطلق لكافة حقوق الشعوب التي تبتلى بهما. من أجل ذلك أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 ديسمبر 1960  الاعلان الخاص بمنح الاستقلال للبلاد والشعوب المستعمََرَة .

وقد أعلن هذا القرار أن إخضاع الشعوب للحكم أو الاستغلال الاجنبي هو انتهاك لحقوق الانسان الاساسية، وأن أية محاولة هدفها تفتيت الوحدة الوطنية أو السلامة الترابية لأي بلد سواء كان ذلك كليا أو جزئيا إنما يتعارض مع أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.  

وتطبيقا لهذا الاعلان فإن أية حركة يكون هدفها الاستيلاء على أرض الغير أو تفتيت وحدتها الوطنية أو سلامتها الترلبية، وانتقاص سيادة شعبها عليها، هي حركة ليست عنصرية فقط وانما هي متعارضة مع جميع أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. وبالنسبة للصهيونية يجب أن نتذكر الشعار الذي رفعته تضليلا للرأي العام العالمي في مطلع القرن الماضي، وهو أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. أي أن الحركة الصهيونية منذ انطلاقها، نفت حتى وجود الشعب الفلسطيني في أرضه، معلنة أن فلسطين لا شعب له، ولذا يجب أن تعطى لشعب بلا أرض، وهو الشعب اليهودي. وجاءت جولدا مايير، رئيسة وزراء اسرائيل، لتطرح السؤال أين هو الشعب الفلسطيني؟ أي أنه وحتى بعد قيام اسرائيل فإنها أعلنت على لسان رئيسة وزرائها بأنه لا يوجد شعب فلسطيني. فالحركة الصهيونية في منظورها النظري، نفت وجود الشعب الفلسطيني، وبعد ان تحقق الحلم بقيام دولة اسرائيل، فإن هذا النفي قد استمر. واستمر الحال حتى اليوم برفض اسرائيل حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ومواصلة الاستيطان الاحتلالي ووتفتيت الوحدة الترابية لأرضهن بل وباعتبار الأراضي المتبقية من فلسطين ارضا تمنازعا عليها، أي انها ليست خالصة للشعب الفلسطيني. وهذان كما قلنا، هو قمة العنصرية.

وهذا الوضع مستمر الى اليوم، تعبر عنه السياسات الاسرائيلية، بغض النظر عن الحزب او الأحزاب الحاكمة، لأنها جميعا ملتزمة بالعقيدة الصهيونية العنصرية. فاسرائيل تحتل ما تبقى من فلسطين ولا تعتبر نفسها دولة محتَلَّة،  ولم تعدل عن موقفها هذا بالرغم من القرارات العديدة للجمعية العامة للامم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، وقرارات الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة، والرأي الاستشاري الأخير لمحكمة العدل الدولية. ومن هذا المنطلق، ومن منطلق أن الشعب الفلسطيني لا وجود له، وبالتالي لا حقوق له، فانها تستولي على الأراضي كما تشاء، وتقيم فيها المستوطنات، وطرق الالتفاف، وتصادر مصادر المياه، وتغتال، وتقتل، وتدمر البيوت، وتجرف الأراضي، وتسرق الاشجار المثمرة جهارا نهارا لتغرسها في المستوطنات، وتعتقل، وتعذب، وتفرض ابادة تدريجية على الشعب، الى غير ذلك من الاجراءات.

لقد اعتادت اسرائيل الانضمام للاتفاقيات الدولية، وخاصة تلك المتعلقة بحقوق الانسان، واعتادت كذلك عدم الالتزام بتلك الاتفاقيات. فقد انضمت الى اتفاقيات جنيف، ولكنها ترفض تطبيق الاتفاقية الرابعة الخاصة بالمدنيين الخاضعين للاحتلال. ومع أن المجتمع الدولي كله، بما في ذلك محكمة العدل الدولية والولايات المتحدة الامريكية، يرى أن هذه الاتفاقية تنطبق على الاراضي الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل عام 1967، الا أن اسرائيل تخالفها يوميا، وترتكب في كل يوم تقريبا جريمة من الجرائم التي يعاقب عليها القانون الدولي الانساني وفقا لتلك الاتفاقية.

وكما انضمت اسرائيل لاتفاقية جنيف الرابعة ولم تنفذها، فانها كذلك انضمت الى الاتفاقية الدولية لازالة جميع أشكال التمييز العنصري التي اقرتها الجمعية العامة للامم المتحدة في 21 ديسمبر 1965 ، ولكنها لم تلتزم بها. فهذه الاتفاقية تفرض على أطرافها ازالة مظاهر التمييز العنصري والتصرفات والسياسات والقوانين والاجراءات العنصرية، الا ان اسرائيل لم تفعل شيئا من ذلكن الأمر الذي جعل لجنة الخبراء التي شكلها اطراف هذا الميثاق لمراقبة الالتزام بتنفيذهن ترفض التقرير الذي تقدمت به اسرائيل وتطالبها بالتخلص من العنصرية التي هي الطابع الاساسي لها ولقوانينها وتصرفاتها. ولاحظت اللجنة على سبيل المثالن العنصرية التي يتميز بها قانون العودة الاسرائيلي. ونلاحظ بهذا الخصوص أن اللاجئين الفلسطينييم في المنافي الذين تنكر اسرائيل حقهم في العودةن ان معظم هؤلاء اللاجئين كانوا من سكان المناطق التي اصبحت تحت السيادة تلاسرائيلية، وبموجب قرار التقسيم فانهم يعتبرون مواطنين اسرائيليين. ومع ذلك ترفض اسرائيل عودتهم الى بيوتهم ووطنهم لبب عنصري محضن هو كونهم عربا، في حين يجيز قانون العودة لكل يهودي "العودة" الى اسرائيل كحق من حقوقه.    

وفي ممارستها للعنصرية ضد مواطنيها العرب، فان اسرائيل لا تنتهك أحكام هذا الميثاف الدولي الذي التزمت به وحسب، بل انها ايضا لا تحترم احكام قضائها عندما يتخلى هذا القضاء نفسه عن العنصرية ، وهذا نادرا ما يحدث، ويصدر حكما لصالح مواطن اسرائيلي عربي. ويكفي أن نشير الى مثال واحد في هذا الخصوص.

 في شمال اسرائيل قريتان فلسطينيتان اسمهما (اكريت) و (كفر برعم). هاتان القريتان نزح عنهما سكانهما بطلب من الجيش الاسرائيلي عام 1948 مع الوعد بالسماح لهم بالعودة بعد انتهاك المعارك. وانتهت المعارك، ولم يُسمح لهم بالعودة. فتقدم السكان بشكوى لمحكمة العدل العليا الاسرائيلية، فقضت المحكمة بأنه لا يوجد مانع قانوني يمنعهم من العودة، كان ذلك عام 1951 ، غير أن ذلك الحكم لم ينفذ، فعاود السكان اللجوء للمحكمة العليا الاسرائيلية، وقبل الموعد المحدد للجلسة وفي ايام الاحتفال بعيد الميلاد عام 1952 قام الجيش الاسرائيلي بتدمير جميع المنازل، علما بأن السكان كانوا جميعا من المسيحيينن فكان تدمير القريتين هدية اسرائيل لهم فيعيد الميلاد. وعلى اثر ذلك تدخلت الحكومة الاسرائيلية فصادرت أراضي القريتين. هذه هي سيادة القانون في اسرائيل، العنصرية تتحكم حتى عند تنفيذ احكام القضاء.

وكما أن اسرائيل قد انضمت الى اتفاقية جنيف الرابعة ولم تلتزم بها، وانضمت الى الميثاق الدولي لازالة اجميع اشكال التمييز العنصري ولم تلتزم به، بل استمرت في ممارساتها العنصرية، فقد انضمت ايضا  الى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أقرته الامم المتحدة في 16 ديسمبر 1966، ولم تلتزم به أيضا، بسبب عقيدتها الصهيونية التي تنفي وجود شعب هو الشعب الفلسطيني. ذلك ان المادة الاولى من ذلك العهد الدولي قد نصت على حق جميع الشعوب في تقرير مصيرها، واختيار نظامها السياسي بحرية كاملة. ولم يتغير هذا الوضع باتفاقيات اوسلو وغيرها من الاتفاقيات التي ابرمت فيما بعد. فاسرائيل تعتبر الاراضي الفلسطينية أرضا متنازعا عليها، وبالتالي لا يجوز للفلسطينيين الانفراد بتقرير مصيرهم عليها. هذا مع ملاحظة أن الواقع على الأرض هو أن اسرائيل تعتبر هذه الاراضي جزءاً من اسرائيل، ولذا فهي تتصرف فيها كما تشاء، دون أن تنتظر نتيجة فض النزاع، على فرض أنها أراض متنازع عليها.

إن اسرائيل ترتكب يوميا جرائم عنصرية يدينها ميثاق دولي آخر هو الميثاق  الخاص بقمع ومعاقبة جريمة الابارثيد الذي أقرته الأمم المتحدة في 30 نوفمبر 1973. وبموجب هذا الميثاق اعتبرت الابارثيد جريمة ضد الانسانية ولا تخضع للتقادم. وتشمل هذه الجريمة فيما تشمل الفصل العنصري، وقتل افراد مجموعة أو مجموعات عرقية، وايقاع الاذى الجسدي أو العقلي الجسيم لهؤلاء، وانتهاك حريتهم وكرامتهم، واخضاعهم للتعذيب أو للمعاملة القاسية أو اللانسانية أو المهينة. كما تشمل الاعتقال التعسفي والحبس غير المشروع لأفراد مجموعة أو مجموعات عرقية.

جرائم العنصرية هذه ترتكبها اسرائيل يوميا ضد الفلسطينيين، وهي جرائم خاصة نص عليها ميثاق دولي لمحاربة الابارثيد وتجريم مرتكبيها.

وقد أشار الى هذا الوضع المستر جون دوجارد John Dugard ، المقرر الخاص للامم المتحدة عن أوضاع حقوق الانسان في الاراضي الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل عام 1967 ، في تقريره الذي قدمه للدورة التاسعة والخمسين للجمعية العامة للامم المتحدة بتاريخ 28 اكتوبر 2004، أي قبل شهر فقط . قال المستر دوجارد في مستهل تقريره:

" هناك تشابهات وفوارق بين الابارثيد في جنوب افريقيا والوضع في الاراضي الفلسطينية المحتلة. ومع ذلك فهناك تشابه واضح. ان سلوك اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة يثير نفس التحديات لمصداقية حقوق الانسان الدولية التي أثارتها الابارثيد في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. فهناك انتهاكات جسيمة (gross ) وفظيعة (egregious) ومنتظمة (systematic ) لحقوق الانسان والقانون الدولي الانساني في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وهي انتهاكات لا ترتكبها ميليشيات لا تخضع لنظام أو رقابة، وانما يرتكبها واحد من أكثر جيوش العالم الحديث انضباطا وتقدما، بتوجيه من حكومة مستقرة ومنضبطة". هذا التقرير قدم قبل شهر فقط من تاريخ اليوم.

وفي 16 أكتوبر عام 2004 ، أي قبل حوالي شهر أيضا، نشرت المجلة الطبية البريطانية تقريرا للدكتور داريك سَمَرفيلد Derek Summerfield محاضر شرف بمعهد الطب النفساني بلندن، تحدث فيه عن انتهاكات اسرائيل للحقوق الصحية والنفسية وغيرها من جرائم الحرب ضد الفلسطينيين. وانتقد في  تقريره صمت الجمعية الطبية البريطانية عما يجري، واختتمه بالقول : " ان آخرين قد سكتوا عن الكلام خوفا من أن يتهموا بمعاداة السامية، وهو تعبير يستعمله مؤيدو اسرائيل استعمالا لا أخلاقي لفرض الصمت. فكيف يمكن مواجهة هذا الوضع المشين ، وهو وضع يرى هذا الطبيب المولود في جنوبي افريقيا أنه قد تجاوز في تماديه حدود فترة الابارثيد". 

هذه تجربة رجل عاش نظام الابارثيد في جنوبي افريقيا ورأى بعد مشاهداته أن ما يجري في فلسطين يفوق ما كان يجري في عهد الابارثيد في جنوب افريقيا. هذا الرجل النبيل الذي رفض أن يسكت، انهال عليه الهجوم من اللوبي الاسرائيلي، بحيث ملأت قائمة اسماء من هاجموه ثمانية وثلاثين صفحة على موقع الانترنت، مع أن مقاله كان صفحتين فقط،  ولم يذكر سوى ما شاهد. غير أنهم لا يريدون أن تعرف الحقيقة، ويستعملون الارهاب الفكري لاخراس من يتكلم بها.

***

 لقد حاولت حتى الآن أن أُبَيّن أن القرار باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال التمييز العنصري عام 1975 كان له سنده القانوني المستقر في القانون الدولي قبل اتخاذ القرار وسنده الواقعي في النظرية الصهيونية والممارسات الاسرائيلية تطبيقا لهذه النظرية. فالقرار لم يأت من فراغ، ولم يكن نابعا عن عداء لليهودية أو اليهود، كما تحاول اسرائيل وأنصار الصهيونية تصويره. والحقيقة هي أن المجتمع الدولي، بسبب الجماية الامريكية لاسرائيل في مجلس الأمن، لم يتخذ ضد اسرائيل أية اجراءات لمعاقبتها على ممارساتها العنصرية كما فعل مع جنوب افريقيا أيام الابارثيد، مما شجع اسرائيل على المضي في هذه الممارسات.

في مستهل حديثي هذا أشرت الى الغاء القرار باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وأثرت التساؤل عما حدث فيما بين عام 1975 حين اتخذ القرار وعام 1991 حين ألغي، ليبرر ذلك الالغاء. ان استعراض الوقائع على الارضن لا لا البيانات المضللة التي تصدر عن اسرائيل والمنظمات الصهيونيةن يفند وجود اي مبرر لذلك الالغاء. فالممارسات لم تتغيرن وانما ازدادت سوءأن ومن ابرزها واخطرها جدار الفصل العنصرين وازدياد النشاط الاستيطاني ومصادرة الاراضي.

لقد ازداد الوضع سوءاً. وتمادت اسرائيل في عنصريتها وتطبيق برنامجها الصهيوني العنصري ، وهي مطمئنة الى أنها لا تخضع لمحاسبة أو مساءلة، بل وانها كلما ازدادت تشددا في اجراءاتها الواقعية، ازدادت الأنظمة العربية هرولة لإرضائها بمزيد من اجراءات التطبيع ومزيد من الضغوط على الفلسطينيين باسم الواقعية، هذه الواقعية التي تشبه رمال الصحراء في تحركها المتواصل في اتجاه واحد وهو قضم الحقوق الفلسطيتية. وقد وصلت اسرائيل في سياستها الصهيونية العنصرية الى درجة الشروع في الابادة الجماعية للفلسطينيين الخاضعين للاحتلال. فالحصار الاقتصادي الذي تفرضه، وتدمير المرافق والمصادر الاقتصادية ومصادر الرزق وفرص العمل والانتاج، والاستيلاء المتواصل على الأراضي الزراعية، ومصادر المياه الجوفية، كل هذا يهدد بكارثة اقتصادية ومجاعات هي آتية لا محالة، وقد بدأت نذرها بالظهور للعيان. فقد أصبح ستون في المائة من ابناء الشعب الفلسطيني الخاضعين للاحتلال يعيشون في مستوى دون الفقر، حسب تقارير البنك الدولي. ويعيش هؤلاء، وفقا لهذه التقارير، على ما قيمته دولاران في اليوم الواحد أو حوالي يورو ونصف، وهو ثمن فنجان من القهوة أو الشاي في المقاهي الشعبية. وكثير من العائلات لا تأكل سوى وجبة واحدة بسيطة في اليوم، وهذه الوجبة مهددة بالزوال. فما تبقى من أرض زراعية بعد المصادرة والتجريف، عاجز عن انتاج ما يحقق اكتفاء ذاتيا في المواد الغذائية الاساسية، والحصار المفروض والحواجز وتدمير البنية التحتية، لا تسمح بتنقل البضائع أو المنتجات من قرية الى قرية أو مركز انتاجي الى مركز يحتاج الى المنتجات. انها سياسة التركيع بالتجويع أو بالابادة. وبصفتي رئيسا لمجلس ادارة صندوق العون القانوني للفلسطينيينن فقد وجهت رسالة الى المدير العام للصليب الاحمر الدولي طالبته فيها بدعوة اطراف اتفاقية جنيف الرابعة لتقيع عقوبات على اسرائيلن وتذكير الدول التي تساند اسرائيل بمسئوليتها القانونية عن ذلك وفقا للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في موضوع الجدار العنصري. 

ولا يقف الأمر عند التجويع المتعمد، بل يضاف اليه الحرمان من الخدمات الصحية بوضع العراقيل المتعمدة للوصول اليها عن طريق الحواجز العسكرية التي تتحكم في كل تحرك من مكان الى آخر. ثم جاء الجدار الفاصل الذي أقامته اسرائيل، وهدفه الحقيقي الاستيلاء على مزيد من الاراضي الزراعية الفلسطينية وحرمان الفلسطينيين من خيرات أراضيهم، وتجزئة التراب الفلسطيني بحيث ينعدم التواصل بين أجزائه. وقد أدى ها الى عزل المرافق الصحية عن المستفيدين منها، فأصبح لا يستطيع أهالي القرى الوصول الى المرافق الصحية في المدن، فأضيف الجدار الى الحواجز، فاصبح ما لم يمنعه الحاجز، يصده الجدار.

الابادة البطيئة المبرمجة بهذه الوسائل، هي اخطر ما يواجهه الشعب الفلسطيني الآن، وقد اجتمع فيها العاملان الاقتصادي والصحي، بالاضافة الى العمليات العسكرية اليومية. وأمل اسرائيل هو أن تؤدي هذه الاجراءات والنتائج التي تترتب عليها الى موجات من الهجرة الجماعية من الاراضي الفلسطينية بحيث يقترب الحلم الصهيوني من التحقق وهو افراغ فلسطين من سكانها الاصليين أو من أعداد كبيرة منهم. واذا لم تقع الهجرة، فان الفلسطينيين يصبحون في وضع اقتصادي وصحي وثقافي مُتَدنٍ في الكنتونات التي تحصرهم فيها اسرائيل، تماما كما حال الهنود الحمر في الولايات المتحدة الامريكية. والفلسطينيون يدركون هذا، ولذلك فانهم يزدادون تمسكا بالأرض ومقاومة للاحتلال. ولكنهم مع شديد الأسى والأسف يقفون وحدهم في ساحة المواجهة هذه.    

لم يعد الاحتلال الاسرائيلي استعمارا استيطانيا فقط، وانما أصبح استعمار ابادة، وهذا قمة العنصرية والانتهاك لحقوق الانسان، وهذا ما أثار غضب الطبيب القادم من جنوب افريقيا وجعله يصف ما يجري في الاراضي الفلسطينية المحتلة على أنه تجاوز في مداه ما كان يجري في جنوب افريقيا أيام وجود نظام الابارثيد.

ازاء هذا، ألم يكن خطأً كبيرا الغاء القرار الذي صنف الصهيونية على حقيقتها بأنها شكل من اشكال العنصرية والتمييز العنصري؟ فالالغاء لم يغير شيئا، وانما شجع اسرائيل على التمادي.

***

فما العمل؟

 

أيها الإخوة

أولاً: كفانا استجداء للمجتمع الدولي وأمريكا واسرائيلن وكفانا تسليم مصيرنا لكلمة تصدر من هنا وأخرى من هناك، فنلهث وراءها، دون أن يكون لدينا الفعل الذي يعمل على تنفيذها، اذا كانت تحقق أهدافنا. وما اكثر المبادرات التي تعلقنا بها، وقدمنا التنازلات من أجلها، فتبخرت هي أم أخذت في التآكلن وبقيت التنازلات. والسبب هو غياب ارادة عربية فاعلةن حتى على مستوى القمم، تتمسك بالحق العربين وتخطط بجدية لحمايته واسترداده. ومع الاسفن فلا الارادة الفاعلة موجودة ولا التخطيط. والموجود هو التخلي حتى عما كان قائما من حد أدنى من المواجهة. ان العالم يهزا بنا عندما نطلب اوروبا بفرض عقوبات اقتصادية على اسرائيلن وانظمتنا تطبع معها ويقيم بعضها مشاريع مشتركة معها، ويتخلى كثير منها حتى عن المقاطعة الاقتصادية، ويعمل على فتح مكاتب الاتصال. ليست هذه بالمواقف التي تغري الغير بالتضحية بمصالحه تأييدا لحقوقنا. ونضخم مدلولها ونخدر شعوبنا بها، مثل نطق الرئيس الامريكي بعبارة "دولة فلسطينية".

ثانيا: لقد تبنت الأنظمة العربية ما اسمته باستراتيجية السلام، وتصر على التمسك بهذه الاستراتيجية، بالرغم من عدم استجابة الطرف الآخر لها الا بالكلام. أما من حيث الفعل فقد واصل الطرف الآخر في تنفيذ سياساته والتسارع فيها، لأنه يعلم أن استراتيجية السلام العربية هذه لا انياب لها، وأنها تعبر عن عجز لا عن قوة، وعن فراغ  استراتيجي في كيفية مواجهة الأزمة. فالمفهوم في عالم السياسة والفعل بشكل عام أن الاستراتيجية، مهما كان نوعها، يجب أن توفر لها عناصر تضمن تنفيذها من جانب من يعتمدها، كما يجب اعداد البدائل لمواجهة احتمالات فشل هذه الاستراتيجية. فهل اعدت الانظمة العربية تلك العناصر التي تضمن الاستجابة لما طرحتهن وهل اعدت البدائل لمواجهة احتمالات الفشل؟ لا ندرين ولكن النتيجة التي تستخلص من الواقعهي أن شيئا من ذلك لم يحدث. ولن تؤتي هذه الاستراتيجية ثمارها الا اذا توفرت هذه العناصر والبدائل.

ثالثا: لا يمكن لقضية قومية أن تنجح في معركتها ما لم يكن الشعب طرفا اصيلا في خوضها. وفي القضية الفلسطينية نرى تراجعاً في المشاركة الشعبية على مستوى الوطن العربي بوجه عام، ليس لأن الشعب لا يريد أن يشارك، ولكن لأن معظم الأنظمة العربية تبذل جهودا كبيرة لمنع هذه المشاركة، ولو باظهار المشاعر، بالمظاهرات، أو رفض التطبيع، أو بالمقاطعة. أما جمع التبرعات، أو ايصال بعض أموال الزكاة لمستحقيها من الأيتام والأرامل في فلسطين، فقد اصبحت من شبه المستحيلات، استجابة للضغوط الامريكية. إن هذه الاجراءات تزيد من نقمة الشارع العربي على نظامه، وتعمق الهوة التي تفصل بين الجانبين، وقد تؤدي الى المحظور الذي يحاول النظام تجنبه، اذ أن الشعب سيجد طريقه لا محالة.

رابعا: أنظمتنا تحذر العالم كله من أن ما يسمى بالارهاب العالمي هو أحد نتائج الظلم الواقع في فلسطين، وان القضاء على هذا الظلم يساعد كثيرا في التخفيف من الارهاب، ولكن انظمتنا العربية تشارك في محاربة نتيحة ذلك الظلم، وهي الارهاب، ولا تبذل جهدا مماثلا وموازيا في القضاء على السبب وهو الظلم الواقع في فلسطين. فهي تجند قواها وتيرم الاتفاقيات فيما بينه، وتلتزم بها على غير عادتها، وتنسق أعظم تنسيق في محاربة الارهاب، وهذا هو حقها وواجبها، بينما لا نجد شيئا من ذلك في محاربة السبب، وهو الارهاب الاسرائيلي والظلم الاسرائيلي. بل الذي يبدو هو أن الأنظمة العربية قد تخلت في واقع الأمر عن التمييز بين الارهاب غير المشروع والمقاومة المشروعة، بدليل أن الضغوط كلها توجه ضد المقاومة الفلسطينية، ولا توجد ضغوط مماثلةن ولا نقول أكبر، كما هو الواجب، على الجانب الاسرائيلي، ما دام هو السبب في الظلم المنتج للارهاب الذي يهدد الأمن الداخلي. والواقع المؤلم هو أن الانظمة العربية والاسلامية تساهم في بقاء السبب الذي تشكو منه بزيادة التطبيع الذي تسير فيه. والذي نخشاه ويجب أن تعيه الانظمة العربية والاسلامية، هو ان الارهابن وربما ما هو أكثر فاعلية منهن سيبقىن وقد يتعاظم، اذا بقيت هي كالمتفرج على ما يجري في فلسطينن ولم توحد كلمتها وتحشد قوتها وقوة شعوبها معهان وتقوم باعمال فاعلة يشعر المواطن العربي والاسلامي بجديتهان للوصول الى حل حقيقي عادل للقضية الفلسطينيةن وليس مجرد اي حل يضطر الفلسطينيون لقبولهن بسبب ضعف الموقف العربي والاسلامي. بدون هذا فان النقمة ستظل قائمة، وتتسع دائرتها وآثارها.

خامسا: المسئولون الاسرائيليونن سابقون وحاليون، يذهبون ويجيئون، بحرية كاملة الى عدد من الأقطار العربية، في حين يتجنبون زيارة الأقطار كثير من الاقطار غير العربية خوفا من الملاحقة القضائية الجنائية التي تنتظرهم بسبب جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية التي ارتكبوها ويرتكبونها ضد الفلسطينيين. مع العلم بأنه لا يوجد وزير اسرائيلي سابق أو حالي الا ويعتبر، بحكم موقعه، متهما في جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية ارتكبت وهو في الوزارة. وهذا ينطبق على شمعون بيريز، صاحب مجزرة قانا، وعلى يوسي بيلين، وزير العدل السابق، وهما اكثر الوجوه تزيينا للصهيونية الاستعمارية الاستيطانية، وعلى شالوم، وزير خارجية شارون حاليا. من واجب النائب العام في كل قطر عربي يطؤه مسئول اسرائيلي، سابق أو حالي، أن يحرك الدعوى الجنائية ضده، كما حركت ضد موفاز في لندن، وضد شارون في بلجيكا، وضد بوش في الشيلي، وضد هنري كيسنجر في رومان وضد بانوشيه في لندن. وعلى مؤسسات المجتمع المدني في الاقطار العربية ونقابات المحامين تحريك الدعوى الجنائية ضدهم، اذا لم يقم النائب العام بذلك.

 ألم يقرر القادة العرب في مؤتمر من مؤتمرات قممهم هذه الملاحقة الجنائية؟

سادسا: يجب على السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية أن ترفض اعادة كتابة تاريخ فلسطين لكي يصبح منسجما مع المنظور الصهيوني العنصري،  الاسرائيلي، ومشوها لتاريخها الحقيقين مهما كانت الادعاءات التي يدعونها. انهم يطالبوننا بأن ننسى تاريخنان وما حل بشعبنا، وان نزور ذلك التاريخ، تمشيا مع اساطيرهم، في الوقت الذي لا يسمحون هم فيه للعالم بأن ينسى ما حل بهم. انها مسئولية كبيرة على وزارات التربية والتعليم في الاقطار العربية والسلطة الوطنية الفلسطينية والمثقفين العرب. ولولا أن بوادر تنفيذ هذا المخطط قد بدأت في الظهور لما أشرنا اليه.  

سابعا: وكذلك يجب ألا نقع في فخ مشروعات تهدف الى طمس هويتنا القومية وهوية منطقتنان كمشروع الشرق أوسطيةن أو الشرق الأوسط الكبير. فهذا مشروع صهيوني كان شمعون بيريز من أوائل من طرحوهن وهدفه من طرحه واضح. فاذا اريد القياس على تجمعات جغرافية كالاتحاد الاوروبين فان وطننا العربي، بمختلف أقطارهن له حدوده الجغرافية، ولا يعيبه أن تكون الغالبية الساحقة في هذه المنطقة الجغرافية هم من أبناء قومية واحدةن ويدينون بدين واحد وينتمون جميعا لحضارة واحدة وتراث يجمعهم، على اختلاف أصولهم العرقية او انتماءاتهم الدينية. انها مجموعة بشرية متجانسة ومن حقها أن يكون لها كيانها الخاص بها. وما هو الداعي لتوسيع هذه المنطقة الجغرافية لتضم اقطارا اخرى وشعوبا تزعزع الانسجام القائم بين شعوب منطقتنا العربية؟

أيها الإخوة

إن الاعتماد على الأنظمة فقط، في الأوضاع المحلية والدولية السائدة،لا يكفي أبدا للوصول الى الأهداف المرجوة، بل يتوجب على الشعوب أن تنهض بمسئولياتها هي لحماية حقها والدفاع عنه. والشعوب قادرة على ذلك من غير أن تعرض النظام العام والأمن للخطر. بل من واجبها ألا تعرضهما للخطر. واذا تحركت الشعوب فانها تزيد الأنظمة المتحركة ثقة بالنفسن وقد تحرك الأنظمة المترددة.

،

ومن أبسط الأمور أن ترفض الشعوب العربية التطبيع. فلا أحد يستطيع أن يرغمها عليه. وتستطيع الشعوب أن تمارس المقاطعة الكاملة. هذا قراران، قرار رفض التطبيع وقرار المقاطعة، يستطيع اتخاذهما والالتزام بهما كل فرد وكل أسرة وكل تنظيم.  ولا يستطيع أحد أن يلغيهما أو يعطلعهما، وبالجهد المشترك والالتزام، فانهما يكونان قادرين على افراغ اي تطبيع رسمي من محتواه. المهم هو المثابرة والالتزام الشخصي وعدم التهاون. فاذا عمت المقاطعة واستمرت، فان أثرها سيظهر، دون شك. لقد دعت الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني الى المقاطعة ورفض التطبيع في العديد من يباناتها، وهي دعوة صائبة، ولا شك في أنها من الأسلحة السلمية التي يجب أن نتمسك بها ونشهرها بقوة.

إن واجب مقاومة التطبيع يقع على كل فرد وكل تنظيم وكل مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، ونخص بالذكر البرلمانات العربية والاسلامية التي يجب ان تقف في وجههما بصفتها تمثل الشعوب. انظروا الى القوانين التي يسنها الكونغرس الامريكي لدعم اسرائيل والقرارات التي يلزم بها الادارة الامريكية في هذا الخصوص. فكم منالبرلمانات العربية ناقش مثلا قرارات تجميد اموال المنظمات الفلسطينية او قرارات تجميد الدعم لها؟ والى اي قدر مثلا تضغط البرلملنات العربية على البرلمانات الاجنبية وخاصة الكونغرس الاميركي لصالح القضية الفلسطينية؟

وبالمثل فان الاتحادات العربية بكافة أنواعها والأحزاب السياسية مُطالَبة يأن تنهض بدورها في حماية حقوق هذه الأمة وكرامتها. أين عمالنا من معركة المقاطعة؟ لماذا لا يرفضون انزال أو  تفريغ كل شحنة يظن انها اسرائيلية المنشأ، حتى ولو كانت قادمة من بلد عربي؟ ولماذا لا يرفضون تقديم الخدمات للبواخر أو الطائرات الاسرائيلية أو غيرها من البواخر والطائرات التابعة لدول تساند اسرائيل؟ لقد مارس عمالنا هذا الدور الوطني من قبل وحققوا نتائج مشرفة، وهذا الدور ما زال ينتظرهم.

اننا ونحن نتحدث عن التطبيع لابد من توضيح مسألة في غاية الأهمية.يقول دعاة التطبيع لماذا لا نطبع، والفلسطينيون، اصحاب القضية المباشرون، قد طبعوا؟ ان هذه المقولة تتجاهل تماما ما يجري في فلسطين. هل طَبَّعَ الفلسطينيون أم إنهم يخوضون معارك متعددة الجبهات ضد الاحتلال الاسرائيلي، ومن بينها المفاوضات التي فرضها عليها الواقعان العربي والدولي؟ وهل أدى تطبيع من طبع الى اضافة قوة جديدة للمعركة التي يخوضها الشعب الفلسطيني، أم إنه أنقص، إن لم يكن قد الغى، ما كان لعدم التطبيع من قوة ضاغطة، مهما كانت ضئيلة؟ وهل بعد التطبيع تحسب اسرائيل للأنظمة التي طبعت معها حسابا في هذه المعركة؟ ألم ترتبط الأنظمة التي طبعت بعلاقات طبيعية تخشى من التراجع عنها؟ وهل أدى التطبيع الى أي تغيير في المواقف الاسرائيلية، أم إن هذه الواقف قد ازدادت شراسة؟ وطمأنت اسرائيل من ردود فعل كان يمكن أن تقع، لولا التطبيع؟

أيها الإخوة

إن الشعب الفلسطيني يخوض على طوال قرن من الزمان معركة لها ما بعدها، ونتيجتها لن تقف بآثارها عند حدود فلسطين. فالمشاريع جاهزة، ولن ينجو منها قطر عربي اذا لم ينتصر الحق العربي في فلسطين. وعلى الشعوب العربية أن تقف دفاعا عن وطنها وهويتها وتاريخها. والشعب الفلسطيني لا ينسى ما قدمته الشعوب العربية وتقدمه من دعم ومشاركة في الكفاح. ولكن القضية لم تنته بعد، والشعب الفلسطيني ما زال يناضل، وما زال في حاجة لأن تحشد الأمة العربية والاسلامية، ما لديهما من قوة، وهي كثيرة ومؤثرة اذا حشدت، ولا شك في أن الشعب المغربي المعطاء سيواصل دعمه وعطاءه، عن وعي كامل لخطورة الموقف، الى أن يتحقق النصر، وانه لآتٍ باذن الله.

 

والسلام عليكم ورحمة الله   

 


[1]  ألقيت في الرباط في 26 نوفمبر 2004 وفي الدار البيضاء في 29 منه، بدعوة من الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني.